غزة: عن معاناة تتبع أثر ذوي الإعاقة المفقودين

 غزة: عن معاناة تتبع أثر ذوي الإعاقة المفقودين

كان الجوّ حاراً جداً، ذلك الصباح عندما خرجت ولاء العبد (28 عاماً) من خيمة النزوح التي تقيم فيها مع أسرتها في حي الشيخ رضوان. حملت بين يديها هاتفها وتعرض عليه صورةً لوالدها، ماجد محمد العبد (72 عاماً)، الذي يعاني من الزهايمر. اختفى قبل عشرين شهراً، بعد أن رفض البقاء بين أفراد أسرته، مفضلاً التجول وحيداً في شوارع غزة المدمّرة.

"كان يهرب منا كأننا غرباء"، تقول ولاء بصوتٍ مكسور، بينما تمسح دموعها بأكمام معطفها البالي. "بحثنا في كل مكان... في المستشفيات، بين الخيام، تحت الأنقاض. كأن الأرض ابتلعته".

 في زاوية أخرى من المدينة، تتكرر المأساة مع أنوار حواس (22 عاماً)، التي تمشي كل يومٍ كأنها تحمل جبلًا على ظهرها. تمسك بورقةٍ عليها صورة شقيقها هادي (17 عاماً)، المصاب بالتوحد، والذي اختفى قبل ثلاثة أسابيع بعد أن خرج من منزلهم في حي الزيتون ولم يعد.

"هادي لا يتكلم... لا يعرف كيف يطلب المساعدة"، تقول أنوار وهي تلصق صورةً أخرى على جدارٍ متصدع. عيناها تسبحان في بحرٍ من التعب، لكن إصبعيها لا تتوقفان عن توزيع الأوراق. تسأل الباعة، تنادي المارة، تتوجه إلى المستشفيات الميدانية. كل يومٍ نفس الروتين: أملٌ يتبدد مع غروب الشمس.

في مستشفى الهلال الأحمر، تقف أنوار أمام موظفة الاستقبال، تمدّ لها الورقة للمرة العشرين ربما. الموظفة تنظر إلى الصورة، تهز رأسها، تعدها بأنها ستبحث في السجلات. لكن أنوار تعرف أن الإجابة ستكون نفسها: "لم نره".

ليست أنوار وولاء وحدهما في هذه المعاناة. أكثر من 11 ألف مفقود سُجلوا في غزة منذ بداية الحرب، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. بينهم أطفالٌ مثل هادي، عجائز مثل ماجد، نساءٌ اختفين تحت القصف أو في ظروفٍ غامضة.

غازي المجدلاوي، شابٌ في الثلاثينيات، يحاول أن يلملم أشلاء هذه المأساة عبر مبادرة أطلقها باسم "المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً". يجلس خلف شاشة حاسوبه المتهالكة، يدون أسماء المفقودين في قاعدة بياناتٍ رقمية. "كل اسم هنا يمثل عائلةً تنتظر جواباً"، يقول غازي، بينما يضغط على لوحة المفاتيح.

لكن العقبات كبيرة. الاحتلال يمنع دخول معدات فحص الحمض النووي، مما يجعل التعرف على الجثث المستخرجة من تحت الأنقاض مهمةً مستحيلة. "هناك جثثٌ لا نعرف إن كانت لأحياءٍ أم أموات"، يضيف غازي.

في خانيونس جنوب قطاع غزة، وبعد رحلة بحث مضنية خاضتها عائلة المواطن صالح شحادة (75 عاماً)، تمكنت من معرفة مصيره، حيث عثر على جثته مقتولاً.

ونزح صالح رفقة ثلاثين فرداً من أفراد عائلته بين أبناء وأحفاد، لكنه وبسبب معاناته مع الزهايمر، خرج وفقدت أثاره لنحو شهرين كاملين.

يقول أبنه محمود (30 عاماً)، كنا نخوض بحثاً مضنيا خلال ساعات النهار ونعود مع حلول المساء، ووسط ظروف واجواء ميدانية معقدة. لم ندخر جهدا في البحث بين المشافي والمراكز الطبية ومراكز النزوح. حتى بلغتنا أنباء عن وجود جثة مجهولة الهوية، وعندما ذهبنا لتفقدها تبين أنه أبي.

يتابع قوله بحزن: "لم يكن المشهد عادياً، كان غارقا في دمه على ما يبدو أثر اصابته بعيار ناري، صحيح بفقدانه طوينا صفحة مؤلمة من عذاب البحث لكن رحيله خلف فينا جرحاً عميقاً لن يندثر".

لكن حتى بعد العثور عليه، بقيت الأسئلة: أين كان يتواجد وكيف أطلق النار عليه وهو رجل كبير في السن؟ لماذا؟ أين كان طوال هذه الأسابيع؟ أسئلةٌ لن تجيب عنها جثته الصامتة.

 وفي ظل هذا الواقع، يعمل نشطاء حقوق الإنسان على تسليط الضوء على حجم هذه المأساة. يقول مصطفى إبراهيم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان: "تابعنا حوالي 1,000 حالة فقدان أو اختفاء قسري. تمكّنا من الكشف عن مصير 600 منها عبر متابعتنا مع السلطات الإسرائيلية، بينما لا يزال مصير نحو 420 شخصا مجهولا. هناك من اختفوا قسرا، ولا تتوفر عنهم أي معلومات".

تقارير المنظمات الحقوقية تتحدث عن أرقامٍ مرعبة: 13 ألف شخصٍ تحت الأنقاض، وفق المرصد الأوروبي، وما بين 17 إلى 21 ألف طفلٍ مفقود، حسب "أنقذوا الأطفال". لكن الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات، بل وجوهٌ وأسماء وعائلاتٌ تنتظر.

في أحد أحياء غزة، تقف ولاء وأنوار وغيرهما كل يوم، يبحثن عن وجوه أحبائهم في شوارع لم تعد تعرف سوى الصمت والألم.

هل سيعود هادي؟ هل سيعثرون على ماجد؟ أم أن مصيرهم سيكون مثل صالح، جثةً مجهولةً في زمنٍ لا يذكر أسماء الضحايا؟