تجلس السيدة الفلسطينية زينب صالحة (57 عامًا) أمام ماكينة خياطة جديدة، تمرر الخيط بين أصابعها كما لو أنها تحاول أن تصل بين حياتين؛ واحدة تركتها تحت أنقاض بيتها ومشغلها في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وأخرى تحاول أن تبدأها وسط الحرب والحصار.
لم يكن مشغل تصميم الأزياء والحياكة الخاص بها مجرد مكان للعمل، بل عالمها منذ عام 1993، حين اكتشفت أنّ الموهبة التي ورثتها عن عائلتها، المعروفة ببراعتها في الحياكة، يمكن أن تتحول إلى مشروع ناجح من أبرز مشاريع النساء في غزة.
درست صالحة دبلوم خياطة وتفصيل، والتحقت بدورات تصميم أزياء، وبدأت تطرز الأثواب الفلسطينية وتصنع أجود الملابس. ومع مرور الوقت توسع عملها حتى صار لها مشغل يضم فريقًا من العمال ومتجر لملابس الأطفال أسمته "كيوي"، وأصبح اسمها معروفًا بين سيدات جباليا. لكنّ في الأيام الأولى من الحرب الإسرائيلية التي اندّلعت في أكتوبر 2023 على قطاع غزة، انهار كل شيء تحت القصف.
غارة جوية إسرائيلية واحدة كانت كفيلة بإنهاء كل ذلك. بيتها، مشغلها، متجرها، وماكيناتها، تحولت جميعها إلى ركام. لم تتمكن من إنقاذ شيء. عندها، وجدت نفسها أمام سؤال صعب: كيف يمكن لخياطة في غزة أن تعيد بناء حياتها المهنية بعدما خسرت كل أدواتها في لحظة؟
بعد انقطاعٍ طويل، عادت السيدة للعمل في الخياطة، فكانت تلك المدة الأطول في حياتها بالبعد عن عالم الخيطان والقماش والألوان. تقول: "لم يكن معي مال لأشتري ماكينة جديدة، فخلعت قطعة ذهب من يدي احتفظت بها لسنواتٍ طويلة وبعتها، وبدأت عملي بالخياطة من جديد". كانت الماكينة الجديدة من نوع "سنجر"، ومنذ أن اشترتها صارت ترافقها في رحلات نزوحها المتكررة، تنتقل معها من مكان إلى آخر، وكأنها آخر ما تبقى لها من عالمها المهني القديم.
لم تكن عودة سهلة أو كاملة، فاليوم، لم تعد صالحة تحيك الفساتين الفاخرة أو أثواب المناسبات، بل تخيط ما تجده، وتمسك بقطعة قماش رديئة جلبها حفيدها، ذا العشر سنوات، لتصنع له سُترة وسط شُح الملابس في الأسواق. تردف وهي تحاول قص القماش بعناية: "مشغل الخياطة ومحل الملابس كانا من أشهر المحال في جباليا، أما الآن فأقتصر على تضييق الملابس أو ترقيعها".
وبين هذه اللحظة وذاك الماضي الذي كانت فيه سيدة أعمال ناجحة، تمتد فجوة عميقة لا تملؤها سوى الخسارة؛ خسارة مالية تجاوزت 100 ألف دولار، وماكينة واحدة دفعت ثمنها ألف دولار بعد أن خسرت رأس مالها بجميع ماكيناتها وأفضل أدواتها؛ لكنّ التغيير الذي طرأ على حياتها لم يكن ماديًا فقط، بل نفسيًا أيضًا. فقدَت السيدة جزءًا كبيرًا من حياتها المهنية، ودخلت في فترات اكتئاب وهي تستعيد صور مشغلها وأيام العمل المزدهرة.
صالحة، الأم لسبعة أبناء، كانت شريكًا أساسيًا في مصروفات الأسرة، وبنت شققًا سكنية لأولادها لتأمين مستقبلهم. لكن الحرب دفعتها للعمل بفتات المال، وسط أزمة مالية خانقة فرضتها خسارتها الفادحة وارتفاع الأسعار غير المسبوق في أسواق غزة؛ ليتحول حالها من سيدة أعمال ومصممة أزياء تدير مشغلًا ومتجرًا ناجحًا إلى خياطة تكافح لتأمين قوت يومها.
تتشارك كثير من النساء في غزة مع زينب همّ فقدان العمل تحت وطأة الحرب؛ فبحسب تقارير محلية ودولية، نحو 90% من أصحاب المشاريع الصغيرة في غزة فقدوا عملهم، وارتفعت معدلات البطالة إلى أكثر من 80%. وهنا يطرح سؤال آخر نفسه: هل يمكن لماكينة خياطة واحدة أن تعيد لسيدة أعمال سابقة مكانتها في سوق توقف فيه أغلب مشاريع النساء في غزة؟
بعد العديد من رحلات النزوح الاضطرارية تحت وطأة الحرب، استقر بها في منطقة النفق وسط مدينة غزة. غير أنّها لم تعد تعمل كما في السابق، فالمعابر مغلقة، والأقمشة شحيحة وباهظة الثمن، والمعدات التي تحتاجها للعودة إلى إنتاجها السابق غير متوفرة.
تحيك صالحة اليوم ما تستطيع أو تقصره، لكن الماكينة الجديدة تبدو غريبة عنها، لا تشبه تلك التي كانت في مشغلها. ومع استمرار هذه الظروف، تسأل زينب نفسها: هل ستتمكن من العودة إلى تصميم الأزياء كما كانت قبل الحرب، أم أن الطريق بات أطول مما تستطيع احتماله؟
تنظر إلى يديها وقد خطّت التجاعيد مسارها، تتمسك بأمل انتهاء الحرب وتوفر ما يلزمها لتعود لعالم الحياكة والتصميم. تنهي حديثها وهي تلمس ماكينتها كما لو كانت تتهيأ لرحيل جديد: "كل شيء ذهب في مهب الريح، فهل يمكن أن أعود مصممة وسيدة أعمال كما كنت؟ هل في العمر بقية؟".
سيدة الأعمال زينب صالحة