رواتب متدنية لا تكفي للمتطلبات الأساسية
تحمل عائشة إبراهيم (43 عامًا) حقيبتها البالية وتشق طريقها تحت شمس غزة الحارقة، تسير عشرين دقيقة يوميًا من بيتها في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة إلى إحدى رياض الأطفال التي تديرها. تصل منهكة، لكنها مضطرة للمشي لأن أجرها الشهري الزهيد لا يحتمل دفع فاتورة مواصلات تزيد كلفتها عن دولارين ونصف يوميًا.
تعمل عائشة في هذا المجال منذ 14 عامًا، كان راتبها قبل الحرب لا يتجاوز 600 شيكل، وهو مبلغ لم يكن يكفي لسدّ احتياجات أسرتها المكونة من ثلاثة أطفال، اليوم ورغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية لكنها قبلت بتقاضي راتب شهري قيمته 450 شيكلاً.
قالت إبراهيم وهي تلتقط أنفاسها بعد قطع مسافة تحت وقدة شمس الظهيرة: "لم أعد أستطيع شراء الطحين، أشتري بحدود الكيلوجرام كل مرة، وفرضتُ أجواء من التقشف بحيث نجبر على تناول عشرة أرغفة كل يومين".
طلبت من صاحب الروضة زيادةً بنسبة عشرين في المائة من قيمة الراتب، من أجل تخصصها مصروفًا لأطفالها، لكنّ طلبها واجه الرفض، بحجة أنّ الرسوم التي يدفعها الأطفال المشتركون في الرياض، تعد مبالغ رمزية بالكادّ تكفي لسداد المصاريف التشغيلية.
عائشة ليست الوحيدة. عشرات معلمات رياض الأطفال في غزة، يجبرن على القبول بأجور زهيدة في ظلّ غياب البدائل وارتفاع معدلات الفقر التي وصلت لمستويات غير مسبوقة بحسب تقارير برنامج الأغذية العالمي.
الأزمة ليست وليدة الحرب. فحتى قبل أكتوبر 2023، كانت رواتب المعلمات تتراوح بين (200 – 700) شيكل فقط، وهو مبلغ لا يكفي لشراء أساسيات الحياة. اليوم، بعد أشهر من الدمار، تراجعت الرواتب إلى متوسط 300 شيكل شهريًا، بينما تجاوز سعر كيلو الدقيق 100 شيكل في ذروة غلاء المنتجات بفعل تفاقم المجاعة وإغلاق المعابر.
في روضةٍ أخرى، تجلس غدير برزق (34 عامًا) في جلسة تفريغ نفسي بعد أن تعرضت الروضة التي تعمل فيها للقصف قبل أيام. تصف اللحظات التي سمعت فيها صوت الصاروخ يسقط على الطابق العلوي: "كنت أحاول تشتيت انتباه الأطفال عن ضغوطات الوضع الراهن، ثم فجأة وقع انفجار".
عملت برزق في البداية من أجل اكتساب الخبرة، لكنّ سوء الأوضاع المعيشية دفعها للاستمرار براتب 300 شيكل، لا يكفي حتى لشراء عشرة كيلوات من الأرز.
تمشي المعلمة برزق يوميًا من حي تل الهوى جنوب غزة إلى الروضة في شارع الوحدة وسط المدينة، تتوقف بين الحين والآخر لتلتقط أنفاسها، و تتفحص الطرق خوفًا من القصف. تقول: "أصل متعبة جدًا، لا أملك طاقة للتدريس، لكني مضطرة".
الراتب الذي تتسلمه نقدًا هو مصدر راحة بسيط بالنسبة لها، وقد تعد أفضل حالاً من زميلاتها اللواتي يتلقين الراتب بواسطة الحساب البنكي، وهو إجراء يتطلب دفع نصف قيمته عمولةً مقابل الحصول عليه بطريقة الكاش جرّاء إغلاق البنوك بفعل ظروف الحرب.
تشير بيانات اليونيسف إلى أنه قبل الحرب، كان في غزة 620 روضة أطفال يلتحق بها 68,392 طفلًا، ويعمل فيها 3,427 مربية. لكن لا توجد بيانات حديثة حول عدد الرياض التي أعيد افتتاحها أو تلك التي دُمّرت. بعض المبادرات التعليمية حاولت تعويض الفراغ، لكن تركيزها انصبّ على الدعم النفسي للأطفال أكثر من ضمان حقوق المعلمات.
لينا صالح (37 عامًا) تمشي نصف ساعة كل صباح لتصل إلى الروضة في مخيم المغازي وسط قطاع غزة. تعاني من نوبات دوار متكررة بسبب سوء التغذية، لكنها لا تستطيع ترك العمل. تقول بينما يحيط بها أطفال صفها: "راتبي 350 شيكلًا، أحصل عليه بنكيًا. لو لم يساعدني معارفي لسحب المال دون عمولة، لكنت خسرت كل شيء".
في الأشهر الأخيرة ومع تفاقم أزمة المجاعة في غزة، صار راتب لينا يذهب بالكامل لشراء الدقيق فقط، بعد الغلاء الفادح في الأسعار، إذ تجاوز سعره 100 شيكل للكيلو الواحد. حتى أن حذاءها المهترئ لم تعد قادرة على استبداله. تتساءل: "لماذا لا تتبنى وزارة التربية والتعليم رياض الأطفال؟ ولماذا لا يطبق قرار الحدّ الأدنى للأجور؟".
الوزارات متوقفة والقوانين معطلة
سؤال لن تجد إجابة عليه من المسؤولين. فحين تواصلت مراسلة "آخر قصة" مع وزارة العمل المنوط بها متابعة أجور العاملات في رياض الأطفال، أقرّت مديرة العلاقات العامة منال الحتة بأنّ الوزارة لم تمارس أي دور منذ اندلاع الحرب.
في المقابل، قالت وزارة التنمية الاجتماعية، عبر المتحدثة بلسانها عزيزة الكحلوت، وبشكلٍ مقتضب: "نحن نعمل بخطة طوارئ، تشمل متابعة الأيتام وإدارة مراكز الإيواء فقط".
هذا التعطل الواضح في أداء الجهات الرقابية، جعل رياض الأطفال بلا أي غطاء رسمي. فهي مؤسسات خاصة ربحية تحصل على تراخيصها من وزارة التربية والتعليم، لكن أوضاع العاملات فيها يفترض أن تخضع لوزارة العمل، بموجب قانون العمل الفلسطيني.
ومع غياب المتابعة الحكومية، وجدت المعلمات أنفسهن في مواجهة واقع يفتقر لأي حماية، رغم أن قانون العمل الفلسطيني حدد 1450 شيكلًا كحدّ أدنى للأجور، قبل أن يُرفع لاحقًا إلى 1880 شيكلًا. غير أنّ هذه القوانين تبقى مُعطلة في غزة، فيما يُترك تحديد رواتب المعلمات للقائمين على إدارات رياض الأطفال.
سوزان الخزندار، مالكة إحدى رياض الأطفال في مدينة غزة، تعترف بضعف رواتب المعلمات، لكنها تبرر ذلك بانخفاض رسوم الأطفال (40–50 شيكلًا شهريًا فقط) مقابل مصاريف تشغيلية تثقل كاهلها.
تقول الخزندار: "إيجار الروضة يصل إلى 450 دولارًا شهريًا، وشراء المستلزمات الأساسية كلّفني نحو 3000 دولار"، مشيرة إلى أن العوائد لا تغطي النفقات؛ لكنها كما قالت، حاولت اختيار معلمات يقطن بالقرب من الروضة لتقليل من النفقات الملقاة على عاتقهن لاسيما المواصلات.
في النهاية، تبقى معلمات رياض الأطفال في غزة عالقات في دائرة مفرغة: أجور متدنية لا تكفي لشراء الطحين، ووزارات متوقفة بفعل الحرب، وقوانين عاجزة عن الحماية. ويبقى السؤال: إلى متى ستظل معلمات رياض الأطفال في غزة يعملن بلا حماية قانونية ولا حد أدنى للأجور؟
معلمات رياض الأطفال في قطاع غزة