في ظل دوي الانفجارات وانعدام الأمن، يصبح عملهم أقرب إلى انتحار. إنهم عمال الإغاثة في غزة، الذين حوّلوا مأساة غير مسبوقة إلى مهمة إنسانية بطولية، يدفعون ثمنها أحيانًا بأرواحهم. في اليوم العالمي للعمل الإنساني الذي يصادف اليوم التاسع عشر من أغسطس، لا يكفي إبراز دورهم، بل يجب أن نفهم عمق التحديات التي تواجههم، ونستعرض تضحياتهم بأرقام وحقائق:
لم تكن حياة جاكوب فليكنر البالغ من العمر 33 عامًا مجرد رقم في إحصائية. كان مهندسًا كنديًا يعمل مع "العمل ضد الجوع" (Action Against Hunger)، ومناصرًا للمدنيين في غزة.
في الأول من أبريل 2024، بينما كان يسير بسيارته التي تحمل علامات واضحة على أنها مركبة إغاثة، تعرض للقصف وقتل. لم تكن هذه حادثة معزولة، بل كانت جزءًا من نمط مأساوي: استهداف عمال الإغاثة. جاكوب هو واحد من أكثر من 250 عامل إغاثة قضوا نحبهم في هذا النزاع وفقًا لتقرير صادر عن مشروع مواقع النزاع (CPT)، وبيانات الأمم المتحدة.
هؤلاء ليسوا محض أشخاص بلا أحلام وطموح؛ إنهم أطباء، وسائقو شاحنات، ومهندسون، ومتطوعون غادروا منازلهم ولم يعودوا.
من هم عمال الإغاثة في غزة؟ الأرقام والهيئات خلفهم:
يعمل في قطاع غزة مزيج معقد من المنظمات المحلية والدولية، تشكل نسيجًا إنسانيًا يحاول سد حاجة مليوني إنسان على حافة المجاعة.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا): تُعد العمود الفقري للإغاثة. توظف الأونروا داخل غزة حوالي 13,000 موظف فلسطيني، غالبيتهم الساحقة من سكان غزة themselves. هؤلاء ليسوا غرباء؛ إنهم جيران يخدمون جيرانهم تحت القصف. يدير هؤلاء الموظفون 156 مأوى مؤقتًا التهمها الاكتظاظ، ويشرفون على توزيع الغذاء على الملايين، ويديرون المرافق الصحية التي تحولت إلى نقاط إسعاف في ظل خروج المشافي الرئيسية عن الخدمة.
الهلال الأحمر الفلسطيني: مع حوالي 1,000 متطوع وموظف، هم غالبًا أول المستجيبين. تقدر المنظمة أن كثر من 40% من طواقم الإسعاف التابعة لها إما قُتلوا أو جرحوا أو اعتقلوا أثناء أداء واجبهم.
سيارات الإسعاف التابعة لمنظمة الهلال الأحمر، والتي تحمل شارة الهلال بوضوح، أصبحت أهدافًا متكررة، وفق إفادات العاملين والمتطوعين فيها وخصوصا سيارات الإسعاف.
يشكل مقتل عمر منصور إسليم، أحد موظفي جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وإصابة اثنين آخرين، في مقر الجمعية في خان يونس في الثاني من أغسطس الحالي، دليل على حالة الاستهداف.
قالت الجمعية في بيان لها، إن عمر كان إلى جانب زملائه الآخرين الذين أصيبوا، يؤدون هامهم الإنسانية داخل مبنى تابع للجمعية، يحمل بوضوح شارة الهلال الأحمر. وأضافت: "إنه من غير المقبول أن يضطر المستجيبون الأوائل في غزة -مثل عمر وغيره من الموظفين والمتطوعين- إلى مواجهة الخطر يوميا أثناء ذهابهم لأداء مهامهم الإنسانية، وهم يعيشون في خوف دائم من ألا يتمكنوا من العودة إلى عائلاتهم.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) ومنظمة أطباء بلا حدود (MSF): تمثل هذه المنظمات الدولية الحياد بأصعب صوره. يعمل في غزة عشرات الموظفين الدوليين والفلسطينيين التابعين لهم. في أبريل 2024، أعلنت أطباء بلا حدود أن مركبتين تابعتين لها تعرضتا للهجوم، مما أدى إلى إصابة أحد الركاب وإتلاف المعدات الحيوية، فيما فقد الصليب الأحمر أحد موظفيه ويدعى زياد التوم (46 عاماً) قرب منزله في خانيونس، في الرابع من تموز/يوليو الماضي. وذلك أثناء محاولته مع أقاربه الوصول إلى أحد أفراد عائلته المصاب وتقديم المساعدة له، ذلك وفق بيان صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
برنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الصحة العالمية (WHO): تركز هذه الوكالات على التخصص. يدير برنامج الأغذية العالمي عملية توسيع نقطة التوزيع إلى 84 نقطة، ليصل إلى مليون شخص شهريًا، بينما تحاول منظمة الصحة العالمية إيصال الإمدادات إلى المستشفيات التي تعمل بدون وقود أو كهرباء.
التحديات بالأرقام: جبل جليد من المعاناة
انعدام الأمن: أكثر من 250 عامل إغاثة قتلوا (مصدر: بيانات الأمم المتحدة وتحليل مجموعات المراقبة حتى يوليو 2024).
شح الإمدادات: قبل النزاع، كان يدخل إلى غزة حوالي 500 شاحنة مساعدات يوميًا. الآن، يتقلص هذا العدد لأيام إلى صفر، أو يصل بصعوبة إلى 20-50 شاحنة، وهي لا تكاد تلامس سطح الاحتياج الهائل.
انهيار البنية التحتية: أكثر من 70% من البنية التحتية للسكن دمرت، مما يجعل الوصول إلى النازحين مهمةً ضربًا من المستحيل.
أزمة الاتصالات: انهيار شبكات الإنترنت والاتصالات بشكل متكرر يعزل فرق الإغاثة عن بعضها وعن العالم، ويعطل عمليات التنسيق المنقذة للحياة.
في يومهم العالمي... لا تكفي الشعارات
وفي رسالته بمناسبة اليوم العالمي قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الهجوم على العاملين في المجال الإنساني هو هجوم على الإنسانية، مؤكدا أنهم شريان الحياة الأخير لأكثر من 300 مليون شخص محاصرين في الصراعات أو الكوارث.
وحذر غوتيريش من أن ينبوع تمويل هذا الشريان آخذ في النضوب، وأن الهجوم على من يقدمون المساعدة الإنسانية يتزايد.
وتحيي الأمم المتحدة اليوم العالمي للعمل الإنساني يوم 19 آب/أغسطس من كل عام في ذكرى مقتل 22 شخصا من العاملين في مجال الإغاثة - منهم الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق - في الهجوم على فندق القناة في بغداد عام 2003.
أمين عام الأمم المتحدة ذكَّر - في رسالته - بأنه في العام الماضي، قُتِل نحو 390 شخصا من العاملين في المجال الإنساني في جميع أنحاء العالم - وهو رقم قياسي في ارتفاعه - من غزة إلى ميانمار مرورا بالسودان وأماكن أخرى.
ولفت إلى أن الخطوط الحمراء يتم تجاوزها دون أن ينال متجاوزيها أي عقاب، مؤكدا أن القواعد والأدوات موجودة، وأن ما ينقصنا هو الإرادة السياسية والشجاعة الأخلاقية.
في اليوم العالمي للعمل الإنساني، يظل عمال الإغاثة في غزة يكتبون فصلًا من فصول التضحية الإنسانية بأحرف من الدم والشجاعة. قصص مثل قصة جاكوب فليكنر وعمر سليم، وزياد التوم، والآلاف من زملائهم الفلسطينيين والدوليين المجهولين، تذكرنا بأن العمل الإنساني ليس مهنةً فحسب، بل هو عمل إنساني ينذر فيه الإنسان نفسه للآخر في أحلك الساعات.
الاحتفال بهؤلاء لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالضغط من أجل توفير الحماية الفعلية التي يكفلها القانون الدولي، وفتح المعابر بشكل غير مشروط، والتمويل الكافي لجهودهم. لأن إنقاذهم يعني إنقاذ آخر شعلة أمل لمليوني إنسان محاصرين بين الركام منذ 22 شهراً.
عمال الإغاثة في قطاع غزة