تحت أشعة شمس ظهيرة قاسية، يتجول عبد الله حمدان بين أزقة سوق الصحابة الضيقة وسط مدينة غزة، حاملاً في يده قائمة طعام عائلته المتواضعة، لكن حمولته الأثقل هي تلك البطاقة البنكية الصغيرة في جيبه.
يقول المواطن حمدان وهو موظف حكومي، هذه البطاقة ليست مجرد أداة دفع، بل هي رمز لمعاناة جديدة تضاف إلى سلسلة المعاناة التي لا تنتهي في قطاع غزة بفعل النزاع القائم.
هنا، حيث تتداخل آثار الحرب مع صعوبات الحياة اليومية، تبرز أزمة جديدة: ازدواجية الأسعار بين الدفع النقدي (الكاش) والدفع الإلكتروني (الفيزا كارت)، في وقت يعاني فيه السكان من نقص حاد في السيولة النقدية.
على حائط أحد متاجر المواد الغذائية، تعلو لافتتان متجاورتان. الأولى تكتب سعر زيت الطعام بـ 20 شقلاً للتر عند الدفع نقداً، بينما تحمل اللافتة الثانية سعراً مختلفاً: 30 شقلاً للتر ذاته، ولكن عند الدفع بالبطاقة. هذا المشهد المتكرر أصبح جزءاً من الحالة التجارية اليومية، وهو يثير حيرة المستهلك وغضبه، ويدفع إلى تساؤلات أخلاقية ودينية عميقة.
في وسط هذه العاصفة، برزت فتوى الشيخ الدكتور عماد الداية، التي حاولت أن تميز بين الحلال والحرام في هذه الممارسة. حيث أفتى بأنه "يجوز البيع على الكاش بسعر أقل من سعر التطبيق، وذلك إذا كان البائع سيضطر في غالب ظنه إلى إخراج المبلغ من التطبيق بعمولة"، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن "تكون نسبة الربح الفارق فاحشة أو استغلالية". وأضاف في فتواه التي انتشرت على مواقع التواصل: "أما إذا كان لدى البائع ما يكفيه من السيولة، ولكن يريد أن يستكثر بالمال على التطبيق، فأرى أن هذا يدخل في باب الاستغلال، ولا ينبغي له الزيادة على التطبيق".
لكن أين يكمن الاستغلال؟ الإجابة ربما تكون في أسواق متعددة داخل القطاع الذي يرزح تحت ظلال الحرب منذ 22 شهراً، حيث محلات الصرافة التي أصبحت مقصداً إجبارياً لأصحاب البطاقات البنكية الذين يبحثون عن النقد. يضطر المواطنون لدفع عمولة تصل إلى 33% من القيمة المراد سحبها نقداً. أي أن من يرغب في الحصول على 1000 شيكل نقداً، عليه أن يدفع ما قيمته 1330 شيكلاً عبر بطاقته البنكية.
يقف خالد أبو عيسى، وهو أب لخمسة أطفال، أمام أحد محلات الصرافة في مدينة غزة، يمسك هاتفه المحمول بحدة، وعيناه تحدقان في لافتة الأسعار التي تعلن نسبة العمولة.
يتحسس أبو عيسى محفظته الخاوية ثم ينظر إلى وجه طفلته الصغيرة التي ترافقه، وكأنه واقع في حيرة بين أن يسد رمق أطفاله الجوعى، وبين مرارة القرار الذي عليه اتخاذه بدفع نسبة عمولة مبالغ فيها.
يقول الرجل بصوت مبحوح: "إذا اشتريت بالبطاقة سأدفع أكثر، وإذا أردت الشراء نقداً عليّ أن أدفع ثلث المبلغ للصراف. في كلا الحالتين، أنا الخاسر".
في داخل أحد المتاجر، تقف سمر عبد الرحمن (32 عاماً) أمام رفوف الحليب البودرة، تتردد بين علبتين. ترفع إحداهما ثم الأخرى، تقارن السعرين المكتوبين بقلم جاف على ورق ملصق فوقهما. تنهيدتها العميقة تحكي أكثر من ألف كلمة. تمسك بعلبة الحليب المخصصة للدفع النقدي، لكنها تتذكر أن ما تحمله من نقد بالكاد يكفي لشراء كيلو طحين. تضع العلبة مكانها وتخرج من المتجر خالية اليدين، وخيبة الأمل واضحة في عينيها.
على الجانب الآخر من المتجر، يجلس التاجر محمد الحاج (45 عاماً) خلف طاولة، يداه تتقلبان بأوراق النقد البالية، وعيناه لا تفارقان شاشة الدفع الإلكتروني.
يبرر الحاج الازدواجية في الأسعار، بقوله: "توفير النقد نادر جداً وبعملات بالية يرفض الناس تداولها، أو بعملات جيدة لقاء قيمة خصم تتجاوز 30% (..) أنا لا أستغل أحداً، أنا فقط أحاول أن أبقى واقفاً على قدمي".
في أسواق القطاع التي انتشرت كالنار في الهشيم في كل زقاق وشارع وبين الركام، تحاول الأسر أن تتكيف مع هذه المعادلة المستحيلة: إما أن تدفع أكثر مقابل السلعة، أو تدفع أكثر للحصول على النقد لشراء السلعة. في كلتا الحالتين، هم يخسرون جزءاً من دخلهم الشحيح أصلاً.
يعود عبد الله حمدان إلى بيته بعد جولة في الأسواق استنزفت يومه كاملاً، يحمل كيسا يفتقد إلى أغلب احتياجاته الأساسية. بطاقته البنكية ما زالت في جيبه، ونقوده لم تكفِ لشراء كل شيء.
يجلس على كرسيه البالي، يتأمل وجوه أطفاله الذين ينتظرون العشاء، ويتساءل: إلى متى ستستمر هذه الحالة؟ هل هو عقاب جماعي على جريمة لم نقترفها؟ أين الخط الفاصل بين ضرورة التاجر واستغلاله؟ وأين تذهب إنسانيتنا عندما يصبح الربح على حساب الجائع والمحتاج؟
الفتوى أجابت على جزء من السؤال، لكنها تركت أسئلة أكبر: أين حماية المستهلك من الاستغلال؟ ومن ينقذ صغار الباعة من الانهيار؟، وإلى متى سيستمر هذا المسلسل من الصراع؟
البيع بالتطبيق البنكي في غزة