نساء فقدن أطرافهن يحاصَرن بالعجز

نساء فقدن أطرافهن يحاصَرن بالعجز

لا تزال ذكريات تلك الليلة عالقة في جسد المواطنة فادية الدحدوح (35 عامًا) كما لو كانت حدثت بالأمس. بينما كانت تصلّي في غرفتها، وأطفالها يغطون في النوم، اخترق صاروخ إسرائيلي الطوابق العليا لمنزلها في حي الزيتون شرق مدينة غزة، محدثًا انفجارًا هائلًا دمّر الطابقين الأول والثاني، محوّلاً المكان إلى كابوس من النيران والغبار.

في اللحظة ذاتها، فقَدَت فادية زوجها محمد وأربعة من أطفالها، الذين قضوا جرّاء الهجوم. بينما نجت هي نفسها، بعد أن أُخرِجت من تحت الركام وهي تعاني من قدمٍ ممزقة نزفت لساعات طويلة حتى اضطر الأطباء لبترها من تحت الركبة.

تقول السيدة بينما تتحسس موضع قدمها، والدموع تنساب من عينيها: "قدمي ليست وحدها… قلبي أيضًا بُتر مع فقدان زوجي وأطفالي".

تعيش الدحدوح اليوم في منزل أقاربها، تتنقل بعكاز، وتواظب على جلسات العلاج الطبيعي بأمل الحصول على تحويلة طبية للخضوع لعلاج خارجي وتركيب طرف صناعي. لكن انتظارها لا يرتبط فقط بجسدها المكسور، بل بمستقبل أطفالها الباقين على قيد الحياة.

حياتها اليومية باتت سلسلة من التحديات الصغيرة التي تتحول إلى امتحان قاسٍ: تغيير الضمادات يستنزفها بالألم، ومحاولات النهوض من الفراش تستدعي مساعدة من حولها، وحتى الطريق القصيرة إلى دورة المياه تتحول إلى رحلة مرهقة على عكاز واحد. 

لم يعد بإمكانها القيام بواجباتها كأم، من إعداد الطعام إلى رعاية ابنها المصاب، ما يضاعف إحساسها بالعجز. تقول بحرقة: "البيت ممتلئ بالآخرين، لكنني أشعر أنني وحدي".

تردف وعلامات الحزن تتجلى على وجهها وهي تتحدّث عن ابنها فؤاد الذي يعاني من إصابات وحروق خطيرة: "أريد أن أقف مجددًا، ليس لأجلي، بل من أجل أطفالي".

الدحدوح هي واحدة من بين 391 امرأة في قطاع غزة فقدن أطرافهن منذ نشوب النزاع في أكتوبر 2023، من أصل 4,500 حالة بتر مسجّلة بين المدنيين وفق بيانات وزارة الصحة. 

أمام هذا الواقع المرير، هؤلاء النساء اللواتي يُفترض أن يكنّ ركيزة الاستقرار في الأسرة، وجدن أنفسهن محاصرات بالعجز، ومجرّد أرقام داخل منظومة صحية مدمّرة، بينما يتضاعف أثر البتر على أجسادهن ونفوسهن ومستقبلهن.

لكنّ مأساة الدحدوح ليست سوى بداية لسلسلة طويلة من النساء الأخريات اللواتي تحوّلت أجسادهن إلى سجلات مفتوحة للجراح.
في خان يونس جنوب قطاع غزة، كانت جنات معروف (20 عامًا) تواجه قدرًا أشدّ قسوة. في إحدى ليالي ديسمبر 2024 الباردة، اخترق صاروخ إسرائيلي حارق خيمتهم غرب محافظة خان يونس، لتستيقظ معروف على صرخات الألم والركام المشتعل.

فقدَت أمها وأباها في لحظة واحدة، وخرجت هي بقدميْن ممزقتين: اليمنى بُترت بالكامل، واليسرى خضعت لعمليات جراحية معقدة ما زالت تحتاج إلى زراعة عظم في كعبها.

لم يكن ذلك مجرد فقدان جسدي، بل انهيار كامل لمسار حياتها. الفتاة التي كانت تستعد لدخول الجامعة، وجدت نفسها عاجزة عن الحركة، رهينة لفقدانٍ مضاعف: عائلتها، وأحلامها، واستقلالها الشخصي.

تقول جنات: "كنت أرى نفسي طالبة جامعية، أرتدي عباءتي وأذهب للمحاضرات مثل باقي صديقاتي؛ لكنني اليوم لا أستطيع حتى أن أتحرك من مكاني. حين استيقظت في المستشفى ووجدت نفسي بلا قدمين، شعرت أن حياتي توقفت كلها في تلك اللحظة".

اليوم تعتمد الفتاة على شقيقتها نغم في كل تفاصيل حياتها، من تبديل ملابسها إلى مساعدتها على الجلوس. تروي وهي تبكي: "البتر لم يأخذ قدمي فقط، بل أخذ حريتي وكرامتي. أصبحت أسيرة المنزل، لا أخرج إلا إذا استعرت الكرسي المتحرك".

معروف أصبحت اليوم واحدة من 8,700 حالة إعاقة دائمة وثقها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في قطاع غزة، وذلك منذ اندّلاع الحرب الإسرائيلية عام 2023، بينها 4,800 بتر، 1,200 شلل، 1,200 فقد بصر، و1,500 حالة إعاقات أخرى. 

صدر لها تحويلة طبية للسفر من أجل العلاج وتركيب طرف صناعي، لكن الاحتلال لم يسمح بخروجها حتى الآن. 

تقول: "الانتظار قاتل، نحن مجرد أرقام على قوائم طويلة من المعاناة."

هنا يظهر العجز الطبي جليًا. يشير الطبيب فضل نعيم، استشاري جراحة العظام والمدير القائم على مستشفى المعمداني، إلى أنّ مثل هذه الحالات بحاجة إلى عمليات معقدة كزراعة العظم في الكعب، لكنها تصطدم بواقع النقص الحاد في أدوات التثبيت الجراحية. 

ويضيف :"الاحتلال يمنع إدخال صفائح التثبيت والبلاتين الضرورية لهذه العمليات، ما يضطرنا إلى إعادة استخدام أدوات مستعملة، وهو ما يضاعف خطر الالتهابات ويفشل الكثير من محاولات إنقاذ الأطراف".

هذا الواقع الطبي المنهار يجعل من سفر المصابين للعلاج في الخارج ضرورة قصوى؛ غير أنّ الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر يحوّلان هذا الحق الإنساني إلى حلمٍ ممنوع.

وتشير تقارير حقوقية إلى أنّ الأحداث الجارية أدّت إلى ارتفاع نسبة ذوي الإعاقة بـ 35% خلال 22 شهرًا فقط، ليصلوا إلى 3.4% من سكان القطاع. أما المعدل اليومي فهو أكثر من 30 إصابة جديدة بإعاقات دائمة أو مؤقتة، ما يجعل مجتمعًا كاملًا يواجه مستقبلًا مثقلًا بالعجز.

ويؤكد المركز الفلسطيني أنّ تدمير نحو 80% من المراكز والجمعيات المتخصصة بذوي الإعاقة يمثّل انتهاكًا صريحًا لالتزامات إسرائيل بموجب اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD)، التي تكفل الحق في التأهيل والحماية من التمييز.

علاء السكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، يوضح أنّ استهداف القطاع الصحي ومراكز ذوي الإعاقة يعكس سياسة ممنهجة لشلّ المنظومة الصحية وتجريد السكان من حقهم في العلاج. ويقول: "هذه ليست حربًا على البشر فقط، بل على كل ما يُبقيهم على قيد الحياة". 

وعلى المستوى الحقوقي، يشكّل هذا الوضع انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض حماية المستشفيات والعاملين الصحيين وضمان استمرار الخدمات الطبية للمدنيين. 

يضيف السكافي أنّ ما يجري يُخالف المادة (11) من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) التي تلزم بحمايتهم في حالات النزاع، والمادة (12) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تكفل الحق في الصحة، فضلًا عن المادة (18) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تفرض حماية المرافق الطبية والعاملين فيها.

الألم النفسي لمعاناة السيدات اللواتي تعرّضن لبتر أطرافهم جرّاء الحرب لا يقلّ قسوة. معروف تصف شعورها بأسى بالغ وتقول إنّها لم تخسر قدميها فقط، بل فقدت حريتها واستقلاليتها.

الأخصائية النفسية فداء مهنا تؤكد أنّ فقدان الأطراف يُعدّ تجربة صادمة تغيّر حياة النساء جذريًا، وتوضح أنّ "الكثير منهن يدخلن في اكتئاب طويل الأمد، ويعانين من اضطرابات قلق وعزلة اجتماعية، ما لم يتلقين دعمًا نفسيًا متخصصًا".

في ظلّ هذا الخراب، تتحول النساء مثل معروف إلى أرقام في تقارير دولية، بينما الحقيقة أنّ كل رقم يحمل خلفه قصة فقدان مزدوج للجسد، وللأمان الإنساني معًا.

وإذا كانت معروف ترى في جسدها سجنًا بعد الإصابة التي قلبت مجرى حياتها رأسًا على عقب، فإنّ وفاء نبهان (29 عامًا) وجدَت نفسها أمام رحلة أخرى من الألم، رحلة تبدأ من سرير العمليات ولا تنتهي عند البتر.

بعد إصابتها المباشرة في قصف على جباليا شمالي قطاع غزة مطلع العام الجاري 2025، استيقظت نبهان من غيبوبة العمليات لتكتشف أن قدميها لم تعودا موجودتين. لأسابيع طويلة، كانت تُنقل إلى غرفة العمليات ثلاث مرات أسبوعيًا لإجراء تنظيف للجروح تحت التخدير الكامل، قبل أن يُبلِغها الأطباء بالقرار الذي لا رجعة فيه، وهو البتر

تسند نبهان ظهرها على حافة السرير ويتحشرج صوتها وهي تصف شعورها الحالي بعد البتر: "كل لحظة قصف تمر تجعلني أعيش الحدث من جديد. لم أفقد قدمي فقط، بل شعرت أن مستقبلي كله انهار. حتى النوم لم يعد راحة، بل كابوسًا يعيد المشهد ذاته".

لكنّ مأساتها لم تتوقف عند حدود المستشفى. بعد مغادرتها، بدأت رحلة أشد قسوة مع محاولات التأهيل. تقول وفاء: "في النهار، أحاول تحريك جسدي المتهالك على سريري، لكن الليل يحمل لي ألمًا أشد، حين أحتاج إلى مساعدة أمي وأختي للقيام بأبسط الأشياء. أحتاج إلى طرف صناعي لكن ذلك يبدو صعبًا للغاية في غزة".

قصة نبهان تكشف جانبًا آخر من مأساة النساء المبتورات في غزة، حيث يتضاعف الألم بفعل غياب بيئة تأهيل مناسبة ودعم نفسي حقيقي، لتتحول حياتهن إلى صراع يومي مع جسد مبتور ونظام صحي محاصر.

من أصل 600 حالة مسجلة في مركز الأطراف الصناعية، لم يحصل سوى 50 شخصًا فقط على أطراف بديلة. وفيما يحتاج أكثر من 119 ألف جريح إلى برامج إعادة تأهيل طويلة الأمد، لا تزال ما لا يقل عن 17 ألف حالة بتر بانتظار تدخل عاجل. هذه الفجوة الفادحة بين الحاجة والإمكانات تجعل مستقبل المبتورين –خصوصًا النساء– أقرب إلى العزلة والحرمان.

حسني مهنا، مسؤول الإعلام في مركز الأطراف الصناعية، يؤكد أنّ الأطراف تُصنّع محليًا من مواد بدائية بسبب منع الاحتلال إدخال المعدات الطبية، ويشير إلى أن "من أصل 600 حالة مسجلة، تلّقى 50 فقط أطرافًا صناعية، فيما ينتظر الباقون وسط ضغط نفسي هائل".

الأثر النفسي يتضاعف على المصابين؛ إذ تقول نبهان إنها تعيش في دائرة مغلقة من الذنب والإنهاك: "أشعر أنني عالقة في دائرة مغلقة من الألم النفسي الذي لا أستطيع الهروب منه، أحيانًا ألوم نفسي، أقول لو لم أذهب للعمل في ذلك اليوم لما أصابني هذا".  

لم يكن شعورها مجرد معاناة شخصية، بل هو شهادة على أنّ غياب برامج الدعم النفسي وإعادة التأهيل في غزة لا ينتهك الحقوق الصحية فحسب، بل يجرّد النساء المصابات من أبسط حقوقهن في العيش الكريم والاندماج الاجتماعي.

ويشير الطبيب خليل الدقران، المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، إلى أنّ الاحتلال لا يمنع فقط إدخال الأطراف الصناعية، بل أيضًا الكراسي المتحركة والعكاكيز، ما يجعل التعافي حلمًا بعيد المنال للجرحى.

وبينما تتمسك نبهان بخيط أمل بالسفر إلى الخارج لتركيب طرف صناعي، يبقى واقعها وواقع آلاف الجرحى معلّقًا على بوابة مغلقة؛ حيث تحوّل الحق الطبيعي في العلاج إلى حلم في ظلّ الحصار. وهكذا تجد النساء المبتورات أنفسهن محاصرات مرتين، مرة بفقدان أطرافهن، ومرة بحرمانهن من العلاج المتوفر في الخارج.

أما منى السدودي (36 عامًا)، فقد اختبرت وجهًا آخر للكارثة، ليس فقط في إصابتها، بل في انهيار منظومة صحية كاملة جعلتها تشعر أن المستشفى لم يكن سوى محطة انتظار للموت.

حين نُقلت السدودي من تحت أنقاض بيتها المدمر إلى مستشفى الشفاء الطبي غرب مدينة غزة بعد إصابة بالغة في ساقها، وبينما كانت تتشبث بخيط أمل أن ينجح الأطباء في إنقاذها من البتر؛ غير أنّ ما رأته في المستشفى كان صادمًا، تقول: "كان هناك أقسام طبية خاوية، غرف عمليات بلا تعقيم، وأطباء يائسون يعملون بما توفر من أدوات متهالكة".

لم تستطع الحصول على الرعاية المطلوبة في الوقت المناسب، فانتهى بها الأمر إلى قرار لا مفرّ منه: البتر. تردف: "لم أشعر أنني في مستشفى، بل في غرفة انتظار للموت. كان الأطباء يعتذرون لأنهم عاجزون، وأنا كنت أبكي لأن ساقي تُسحب من حياتي وتغادر جسدي أمام عيني."

ما عاشته السدودي يُجسد صورة مصغّرة لانهيار المنظومة الصحية في غزة بسبب الوضع الراهن؛ فمن أصل 38 مستشفى، تعمل 23 جزئيًا (60.5%) فيما 17 تعمل بقدرات محدودة (39.5%). أما مراكز الرعاية الأولية، فلا يعمل منها سوى 10 من أصل 90 (11.1%) بينما توقّف 80 عن العمل (88.9%). 

وعلى صعيد الكوادر الصحيّة، بلغ العدد الكلي 1,515، استشهد منهم 1,155 (76.3%) فيما اعتُقل 360 (23.7%). أما سيارات الإسعاف، فقد وثّقت منظمة الصحة العالمية تعرّض 170–180 منها لهجمات، ما يعني أنّ جميعها (100%) تأثرت بشكل مباشر.

هذا التفكك يجعل النساء المبتورات وذوي الإعاقة في مواجهة واقع قاسٍ: ينجون من الموت المباشر ليجدوا أنفسهم محرومات من العلاج والتأهيل. الأثر النفسي هنا أكثر حِدّة، إذ تصف الناجيات أجسادهن كأنّها تحوّلت إلى مجرد أرقام في منظومة عاجزة، ما يضاعف من شعورهن بالعجز واليأس.

النساء اللواتي تعرضن للبتر في غزة لا يحتجن فقط إلى طرف صناعي أو دواء، بل إلى منظومة كاملة تعيد إليهن الأمان والكرامة. والحرب بالنسبة لهن لا تنتهي عند فقدان الطرف، بل تبدأ بعدها رحلة جديدة من المعاناة وسط غياب الدعم النفسي والرعاية.