بينما تغرب الشمس خلف خيام النزوح الممتدة على طول منتزه مواصي خان يونس الإقليمي، يتلوى الطفل بلال زنون (12 عاماً) على فرشة بالية. أنفاسه متقطعة، وعيناه الغائرتان تحدقان في سقف الخيمة المتسخ.
يداه النحيلتان تضغطان على بطنه المنتفخ، بينما تتشقق شفتاه من الجفاف. جسده الهزيل يشبه غصناً يابساً في عاصفة، ضحية لحرب قاسية، وحصار يخنق حتى أبسط احتياجات الحياة.
"في وجع في إيديا ورجليا وراسي... وكمان إسهال على طول"، همس بلال بصوت بالكاد يسمع، بينما كانت أمه تمسح جبينه المتعرق بقطعة قماش مبللة. "بقدرش أجري وألعب زي الأولاد... حتى المشي بيتعبني".
لم يكن بلال يعاني من مرض نادر، بل من حساسية القمح (السيلياك)، حالة طبية تتطلب نظاماً غذائياً خالياً من الغلوتين. لكن في غزة، حتى البسيط يصبح مستحيلاً في ظل العجز القائم في الاحتياجات نتيجة إغلاق الاحتلال للمعابر ومنع تدفق السلع للشهر الخامس على التوالي.
في ديسمبر 2024، بدأت معاناة بلال تتصاعد. انتفاخات مؤلمة، صداع لا ينتهي، تساقط الشعر، وإسهال متكرر. الأب محمود زنون (36 عاماً)، الذي فقد منزله وعمله في بيع الأحذية برفح، بدأ رحلة البحث عن التشخيص.
"تنقلنا بين مستشفى الصليب الأحمر ثم مستشفى ناصر... تحاليل لا تنتهي دون نتيجة"، يقول الأب. "حتى تحليل حساسية القمح لم يكن متاحاً... اضطررت لإجرائه في مختبر خاص بتكلفة لم أكن أملكها".
الصدفة وحدها كانت الطبيب الوحيد المتاح، فخلال زيارة لمستشفى ناصر في يناير 2025، أخبره قريب بأن أعراض بلال تطابق تلك التي عانت منها ابنته المصابة بنفس المرض. بعد منظار معدي وأخذ عينة، تأكد التشخيص: حساسية قمح.
تحسن مؤقت وحصار قاس
مع بدء النظام الغذائي الخالي من الغلوتين، تحسن بلال خلال شهر. لكن في مارس 2025، أغلقت قوات الاحتلال المعابر بشكل كامل، محولة التحسن إلى كابوس متجدد.
"بدأت اللحوم والفواكه والخضار تختفي من الأسواق"، يقول الأب محمود بينما ينظر إلى ابنه النحيل. "ما توفر أصبح ثمنه خيالياً... كيلو الطماطم وصل إلى عشرين دولاراً".
عادت الأعراض بقوة: تساقط الشعر، الانتفاخات، الهزال. فقد بلال تسعة كيلوغرامات من وزنه، ليصبح وزنه خمسة وعشرين كيلوغراماً فقط. لم يعد قادراً على اللعب أو حتى المشي لمسافات قصيرة.
في خيمة مجاورة، تحاول الأم خلط دقيق الذرة بالماء لصنع خبز لابنها: "المسموح هو الرز، ولكن كثرته تسبب الإمساك... والعدس يسبب الإسهال"، تقول وهي تحاول إخفاء دموعها.
وأضافت الأم "حصلنا على دقيق ذرة، لكنه يحتاج خميرة خاصة غير متوفرة... الخبز يصبح قاسياً لا يستطيع بلعه".
الهواء في الخيمة ثقيل برائحة تحت وقدة الشمس، واليأس يخيم خارجاً، أصوات الأطفال تلعب تتعارض مع صمت بلال الثقيل. "نحن لا نطلب معجزة، فقط الغذاء المناسب لابني"، يقول الأب محمود بصوت مبحوح، ويتابع قوله: "هل يحتاج الأمر إلى كل هذا العذاب؟".
أوجه متعددة للمعاناة
ليست معاناة بلال فريدة. في حي الرمال الجنوبي بغزة، يحاول هيثم أبو شعبان (34 عاماً) الصلاة وهو يتألم. يقول أبو شعبان بينما يجلس على كرسي متكئاً على الحائط: "مجرد الوقوف للصلاة يرهقني". "اضطررت لكسر الحمية لمدة شهر ونصف، شعرت كأنني أعيش وسط مجاعة حقيقية" .
في حي النصر، نبيلة الهباش (54 عاماً) فقدت عشرين كيلوغراماً من وزنها. "وجهي يفقد لونه من شدة الشحوب"، تقول بينما تظهر بقع حمراء على يديها. "ظهرت علي حساسية كالحروق... انخفض مستوى الدم لدي إلى 7.6".
وبحسب وزارة الصحة في غزة، فقد ارتفع عدد المرضى ارتفع من ألف مريض قبل أكتوبر 2023 إلى ألف ومائتين وثمانية وثمانين مريضاً حتى مايو 2025. من بينهم خمسمائة وعشر نساء، ومائتان وثمانية وأربعون رجلاً، وخمسمائة وثلاثون طفلاً.
ستة وثلاثون مريضاً من ذوي الإعاقة يواجهون مصيراً أكثر قسوة. أكثر من مائتي طفل تحت العاشرة معرضون لمضاعفات قد تدمر صحتهم الجسدية والنفسية إلى الأبد.
نظام صحي تحت الحطام
داخل مستشفى ناصر، تبدو الرفوف فارغة من الأدوية الأساسية. ممرضة تدعى سمر تتحدث بصراحة: "كنا نوزع ثلاثة كيلوغرامات من الدقيق الخالي من الغلوتين كل عدة أشهر... الآن لايتوفر شيء"، مؤكدة أن المرضى كانوا يحصلون قبل اندلاع الحرب على خمسة وعشرين كيلوغراماً شهرياً.
الدكتور أحمد الشاعر، أخصائي الجهاز الهضمي، يشرح بعيون متعبة: "بدون الغذاء المناسب، المرضى معرضون لالتهاب الأمعاء، فقر الدم، هشاشة العظام، وحتى السرطان".
في مكتب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، نتكدس التقارير عن انتهاكات القانون الدولي. المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر منع مرور الأغذية والمواد الطبية. ميثاق روما يعتبر حرمان المدنيين من المواد الضرورية جريمة حرب.
لكن على الأرض، يستمر الحصار. ثلاثة وثلاثون طناً من الدقيق الخالي من الغلوتين يحتاجها المرضى شهرياً، لا تصل.
وأصدر المركز الفلسطيني بيانا قال فيه، "إن سياسات الاحتلال في منع إدخال الغذاء العلاجي الخاص بمرضى حساسية القمح “السيلياك” تشكّل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية تستوجب المحاسبة الدولية".
كما أكد المركز أن استمرار هذا الوضع يعرّض حياة المرضى للخطر، ويطالب المجتمع الدولي، "لا سيما الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالتحرك الفوري والعاجل لوقف هذه الجريمة". ودعا إلى فتح المعابر فوراً أمام دخول جميع المواد الغذائية لسكان قطاع غزة، وخاصةً الأصناف الغذائية الخاصة بمرضى السيلياك، وضمان توفير إمدادات شهرية كافية تُغطّي احتياجات المرضى.
هنا في غزة حيث تمتد خيام النزوح إلى ما لا نهاية، يعيش أناس على أمل معجزة، أو على الأقل على أمل وجبة واحدة آمنة. ففي عالم يملك كل الموارد، يموت أطفال في غزة بسبب رغيف خبز.
مرضى حساسية القمح في قطاع غزة