شاي مؤجل

شاي مؤجل

في غزة، لا تحتاج إلى تقارير أممية لتفهم حجم المأساة، ولا إلى عدّاد ضحايا لتدرك عمق الألم؛ يكفي أن ترى جرة غاز مغلقة في زاوية خيمة، تُعامل ككنزٍ مؤجَّل، ولا تُفتح إلا في "الوقت المناسب".

نعم..

قليلٌ من الغاز متوفر اليوم في غزة: جرة واحدة لكل أسرة، ثمانية كيلوغرامات فقط، مرة كل ثلاثة أشهر، في مشهد يعكس كيف تُدار حياة شعبٍ كامل بمنطق الطوارئ الدائمة والحد الأدنى من البقاء.

الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من العائلات التي حصلت على حصتها قررت إغلاق الجرة وتركها جانبًا، لا ترفًا ولا إسرافًا، بل خوفًا مما هو قادم.

خوفًا من ليل رمضان القارس..

رمضان الذي تحوّل، عند الغزي، من شهر عبادة وروحانية إلى مشروع نجاةٍ ليلية، وشهر «الطهي الحساس»، حيث يصبح السحور معركة بحد ذاته.

الناس اليوم تطبخ على الحطب، تتنفس الدخان بدل الهواء، تُقلّب العدس بيد، وتكتم السعال باليد الأخرى، بينما الجرة موجودة؛ لكنها مؤجَّلة.

والتبرير بسيط، ساخر، ومفجع في آنٍ واحد:

«يعني معقول أولّع نار وحطب على كاسة شاي؟!».

هكذا، تتحول المعاناة اليومية إلى كوميديا سوداء:

شعب يعيش تحت القصف، في الخيام، بعد قتل وتشريد ودمار، ثم يُطلب منه أن يُدير ألمه بحكمة، وأن يوزّع تعبه على الأشهر، وأن يؤجّل راحته، لأن العالم مشغول.

مشغول بماذا؟!

بقممٍ لا تُطعم، وبياناتٍ لا تُدفئ، وشجبٍ لا يُشعل موقدًا.

وهنا يفرض السؤال نفسه بمرارة:

أين العالم العربي والإسلامي من هذا المشهد؟!

أين أمة تملك مفاتيح الطاقة في العالم، بينما أهل غزة يؤجّلون فتح جرة غاز خشية الجوع القادم؟!

أين الدول التي تُصدّر الغاز والنفط وتتحدث باسم القضايا الكبرى، وغزة لا تطلب إلا أن تطبخ بلا دخان، وأن تشرب الشاي بلا حطب؟

غزة لا تسأل عن المستحيل، ولا تطلب رفاهية؛ هي فقط تريد حدًّا أدنى من الحياة الكريمة.

لكن يبدو أن الكرامة ليست ضمن قوائم المساعدات، وأن الجوع مقبول سياسيًا ما دام محاصرًا داخل الحدود، وأن الصمت صار موقفًا عربيًا وإسلاميًا رسميًا.

نحن لا نلوم الناس في غزة؛ فالناس هنا تعلّموا أن يُخزّنوا كل شيء: الطحين، الماء، الفول، العدس...

والآن… "الراحة".

لكن اللوم الحقيقي على عالمٍ يرى، ويعرف، ويختار الصمت. أمة تكتفي بالبكاء على غزة في الخُطب، وتتركها تغلي طعامها على الحطب.

في غزة، لسنا فقراء موارد، نحن فقراء عدالة.

لسنا عاجزين، نحن متروكون، ومع ذلك..

سنكتب، لأن الكتابة شهادة.

وسنعيش، لأن الحياة مقاومة.

وفي غزة، حين تُغلق جرة الغاز، لا تُغلق خوفًا من النفاد، بل لأن الخذلان صار أطول عمرًا من اللهب.

انتهى..

 

ملاحظة/ هذا المقال يُعبر عن رأي صاحبه