فوضى النقل في غزة: المواطن يدفع الكلفة

فوضى النقل في غزة: المواطن يدفع الكلفة

على الرصيف القريب من مفترق المالية في حي تل الهوى غرب مدينة غزة، يقف أبو وائل نصر الله (46 عامًا) إلى جانب سيارته القديمة، محاولًا جذب ركاب وسط طابور غير منظم لسيارات الأجرة. يقول إن الشهور التي تلت وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي كانت "الأكثر فوضى" في مسيرته المهنية، في ظلّ غياب رقابة فعلية على قطاع النقل.

ويشير، وهو يلوّح بيده للمارّة، إلى أنّ غياب الجهات المختصة عن متابعة الأسعار جعل تحديد الأجرة قرارًا فرديًا لكل سائق، من دون محاسبة أو مرجعية واضحة، في وقت ارتفعت فيه أجرة بعض الخطوط الداخلية بنسبة تراوح بين 50% و100% مقارنة بما كانت عليه قبل اندّلاع النزاع، بحسب شهادات سائقين وركاب.

ويرجع أبو وائل ارتفاع الأجرة إلى الزيادة الحادّة في أسعار السولار وكلفة الصيانة، لكنّه يقرّ بأنّ هذا الفراغ الرقابي فتح الباب أمام ممارسات غير منضبطة. ويقول إنّ المواطن يسعى إلى الوصول إلى وجهته مهما اضطر إلى الدفع، فيما يحاول السائقون الاستمرار في العمل، يردف: "لكنّ الوضع، في ظلّ هذه الفوضى، خرج عن السيطرة"، لا سيما مع تضاعف كلفة تشغيل المركبة اليومية مقارنة بفترة ما قبل الحرب، وفق تقديرات سائقين.

وفي هذا السياق، برزت "أزمة الفكة" كأحدّ أكثر مظاهر الاضطراب شيوعًا. يوضح نصر الله أن توفير الفئات النقدية الصغيرة بات شبه مستحيل، ما يدفع الركاب في كثير من الأحيان إلى ترك المبلغ الزائد، وهي زيادة تقدَّر بشيكل إلى شيكلين في الرحلة القصيرة الواحدة، ومع مرور الوقت اعتاد كثيرون هذا الواقع وتراجع الاعتراض عليه.

ورغم تأكيده أنه لا يرى نفسه مستغلًا، فإنه يقرّ بأنّ الواقع الحالي أوجد "مساحة رمادية" بات فيها السائقون والركاب في مواجهة يومية، حيث يتصرف من يمتلك مركبة من دون ضوابط تنظيمية واضحة، في ظلّ غياب أي تسعيرة رسمية معلنة منذ أشهر.

هذا التوصيف يتقاطع مع ما يقوله محمود ناصر (34 عامًا)، سائق يعمل على خط شارع صلاح الدين منذ أكثر من عشر سنوات، إذ يرى أن مرحلة ما بعد الحرب أربكت السائقين بقدر ما أرهقت الركاب. 

ويفيد أنّ الارتفاع غير المسبوق في أسعار الوقود وقطع الغيار، مقابل غياب أي آلية رسمية لضبط التسعيرة، خلق تفاوتًا حادًا في الأجرة على الخط نفسه، حيث تتراوح الأجرة اليوم بين 15 و20 شيكلًا للمسافة ذاتها التي كانت تُقطع بأقلّ من 10 شواكل قبل الحرب، ما دفع الركاب إلى التشكيك في الجميع.

ومن وجهة نظره، بات السائق مترددًا في إعلان ما يصفه بـ "السعر الحقيقي"، في ظلّ حالة غضب عامة لدى الركاب، بينما يعني تقاضي أجرة أقلّ من الكلفة خسارة مباشرة. يقول: "نعيش بين خيارين أحلاهما مرّ". أما "أزمة الفكة"، فيرى أنها لم تعد مجرد مشكلة نقدية، بل تحوّلت لدى بعض السائقين إلى ذريعة لفرض زيادات غير مبررة؛ ما أسهم في تآكل الثقة بين الطرفين.

ويقدّم سائق آخر زاوية مختلفة للأزمة، إذ يرى أن الفوضى لم ترفع الأجرة فقط، بل غيّرت طبيعة العلاقة بين السائق والراكب. سامي العطار (39 عامًا)، سائق أجرة يعمل بين غرب مدينة غزة ووسطها، يقول إن غياب التنظيم دفع كثيرًا من السائقين إلى تقليص عدد رحلاتهم أو تغيير خطوط سيرهم لتقليل الخسائر، ما أسهم في تقليص عدد المركبات العاملة على بعض الخطوط خلال ساعات الذروة.

ويوضح أنّ بعض السائقين باتوا يفضّلون العمل في أوقات محددة أو على مسافات أقصر، "ليس بدافع الاستغلال، بل لتفادي الاحتكاك اليومي مع الركاب والغضب المستمر حول الأسعار". ويضيف أن هذا السلوك، وإن كان يخفف الضغط على السائق، أسهم في تقليص المعروض من المواصلات، ما زاد الضغط على الركاب وعمّق الأزمة بدل حلّها.

ولا تنفصل فوضى النقل في غزة عن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية لقطاع النقل خلال الحرب. تشير بيانات رسمية إلى أن نحو 70% من مركبات النقل العام والخاصة تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي، ما يقلّص بشكل حادّ القدرة التشغيلية للسوق المحلية. 

كما تضررت شبكة الطرق بشكل واسع؛ إذ تُظهر تحليلات أقمار صناعية أن أكثر من 1,100 كيلومتر من الطرق قد دُمّرت، إضافة إلى 350 كيلومترًا تضررت بشدة، بينما يُشار إلى أنّ نسبة الطرق المتضررة قد تصلّ إلى نحو 68% من شبكة النقل الأساسية في القطاع. هذه الخسائر في المركبات وشبكات الطرق لم تعطلّ فقط حركة النقل اليومي، بل ساهمت في زيادة كلفة الرحلات وتأخيرها وتعقيد وصول الركاب إلى وظائفهم وخدماتهم الأساسية. 

بالنسبة للركاب، لم تعد الأجرة رقمًا ثابتًا، بل باتت خاضعة لتفاوض يومي. يوسف أبو شعبان (41 عامًا)، موظف حكومي من دير البلح وسط القطاع، يقطع مسافة طويلة يوميًا للوصول إلى مقرّ عمله في مدينة غزة.

ويقول إن السعر يختلف من سائق إلى آخر على الخط نفسه: "أدفع أحيانًا 10 شواكل، وأحيانًا 15، وأحيانًا 20 للمسافة ذاتها"، أي بزيادة تصلّ في بعض الأيام إلى الضعف، إذ يُحدّد كل سائق الأجرة وفق تقديره، وعندما يسأل عن السبب يتحوّل الأمر إلى خلاف.

يصف ما يعيشه الركاب بأنّه شكل من أشكال الابتزاز القسري، فبعض السائقين يوقفون المركبة ويعلنون أجرة أعلى من المعتاد. قائلا: "وإذا اعترض الراكب، يُطلب منه النزول، بحجة وجود آخرين مستعدين للدفع"، كما أن تضرر الطرق، وقلّة وسائل النقل، وغياب البدائل، خصوصًا في المناطق التي تضررت بنيتها التحتية خلال الحرب، تجعل الركاب مضطرين للقبول بالأمر الواقع.

وغالبًا ما تنتهي محاولاته بالاستفسار عن "التسعيرة الرسمية" بجدال يُفضِّل تجنبه. ويقول إن مجرد طرح السؤال يجعله يشعر وكأنّه مخطئ لمطالبته بحقه، مضيفًا أن غياب أي جهة رقابية واضحة جعل الركاب الطرف الأضعف في هذه المعادلة. يقول: "لا توجد مؤسسة يمكن التوجه إليها بشكوى، ولا رقم يمكن الاتصال به"، ومع نهاية كل شهر يكتشف أنّ ما بين 30% و50% من راتبه الشهري يُنفق على المواصلات.

ويُجمِع ركاب تحدثوا إلى معدّة هذا التقرير على أن اضطراب تسعيرة النقل بات جزءًا من الروتين اليومي، ما جعل التنقل مسألة غير قابلة للتخطيط، حتى على الخطوط والمسافات نفسها. ويقولون إن تغيّر الأجرة من رحلة إلى أخرى، في ظل غياب أي سقف تسعيري معلن، يضعهم أمام خيار واحد في الغالب: القبول بالسعر المفروض أو التخلي عن الرحلة، خصوصًا مع ندرة وسائل النقل وتضرر الطرق.

هذا الواقع انعكس مباشرة على دخل الركاب، إذ تشير شهادات إلى أن أجرة بعض الخطوط الداخلية ارتفعت من نحو 7–10 شواكل قبل الحرب إلى ما بين 15 و20 شيكلًا حاليًا للمسافة ذاتها. 

ويقول موظفون حكوميون إن كلفة المواصلات باتت تستنزف ما بين 30% و50% من رواتبهم الشهرية، في ظلّ غياب جهة رقابية يمكن الرجوع إليها أو آلية واضحة لتقديم الشكاوى.

في المقابل، يربط سائقون هذا الارتفاع بتزايد كلفة التشغيل وتراجع عدد المركبات العاملة على بعض الخطوط، ما أدى إلى تقليص عدد الرحلات اليومية ورفع الأجرة فعليًا، في سوق يعمل منذ أشهر من دون تنظيم واضح أو تسعيرة رسمية.

أمام هذه الشهادات التي تعكس فوضى يومية يعيشها الركاب والسائقون، تبقى وزارة النقل والمواصلات الجهة الرسمية المسؤولة عن تنظيم قطاع النقل وضبط تسعيرته. غير أنّ الواقع الميداني يشير إلى غياب واضح لدورها الرقابي، رغم مرور أشهر على وقف إطلاق النار، في وقت تتزايد فيه شكاوى المواطنين من ارتفاع الأجرة وتفاوتها وغياب أي مرجعية واضحة.

ويقرّ المتحدث باسم الوزارة في غزة، أنيس عرفات، بعدم قدرة الوزارة على فرض رقابة فعالة في المرحلة الحالية، مرجعًا ذلك إلى تدّاعيات الحرب. ويقول إن القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الوقود، وتضرر معظم المقرّات الحكومية، وخسارة عدد كبير من المركبات الرقابية، حدّت من قدرة الوزارة على المتابعة الميدانية، "ما انعكس مباشرة على ضبط الأسعار".

ورغم تحميل الوزارة طواقمها الرقابية، بالتنسيق مع شرطة المرور، مسؤولية متابعة مخالفات التسعيرة و"أزمة الفكة"، إلا أنّ هذه الآليات لم تنعكس على أرض الواقع، بحسب شهادات الركاب والسائقين، الذين يؤكدون غياب أي جهة يمكن الرجوع إليها أو مساءلتها، ودون الإعلان عن عدد المخالفات أو الحملات الرقابية المنفذة.

ويقول عرفات إن غياب الرقابة "ليس تهاونًا"، بل نتيجة مباشرة لفقدان المركبات والمقرات والسجلات، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على إعادة تشكيل وحدات رقابة متنقلة، وإصدار تسعيرة موحدة جديدة بعد استكمال المشاورات. وحتى ذلك الحين، تقترح الوزارة ما تصفه بنظام رقابة مؤقت يعتمد على المجتمع، في ظلّ فراغ تنظيمي مستمر.

وبينما تؤكد الوزارة أن الأزمة مرتبطة بالحرب وقابلة للمعالجة تدريجيًا، يواصل المواطنون دفع كلفة هذا الغياب التنظيمي يوميًا، في قطاع يُفترض أن يخضع لضبط واضح، لا لاجتهادات فردية.

بين شهادات الركاب، ومعاناة السائقين، وتبريرات الجهات الرسمية، يبقى قطاع النقل في غزة عالقًا بين دمار البنية التحتية وغياب التنظيم. ورغم الوعود بإعادة ضبط التسعيرة وتفعيل الرقابة، يواصل المواطن دفع ثمن أزمة لم يكن طرفًا في صنعها، في قطاع يقطنه نحو 2.2 مليون نسمة يعتمد عشرات الآلاف منهم على النقل العام كوسيلة أساسية للتنقل اليومي.

ومع استمرار هذا الفراغ التنظيمي، لا تبدو الأزمة مجرد خلل عابر في التسعيرة، بل انعكاسًا مباشرًا لغياب الإدارة الفاعلة في أحد أكثر القطاعات التصاقًا بالحياة اليومية. وفي قطاع أنهكه النزاع، يتحوّل الطريق إلى عبء إضافي، لا لأن المسافة أطول، بل لأن النظام الذي يفترض أن يخففها ما زال غائبًا.