تقف دينا المدهون، صاحبة مشروع صغير لتجارة الملابس في غزة، وسط مساحة ضيقة امتلأت بصناديق كرتونية وصلت حديثًا من الضفة الغربية. تدير المدهون متجرًا إلكترونيًا وتسوق بضائعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتعتمد على الاستيراد المحدود لتلبية احتياجات السوق المحلي.
تفتح المدهون (30 عامًا) الصناديق واحدة تلو الأخرى، تُخرج قطع الملابس التي اختارتها بعناية، تفحص الخياطة، تمرر أصابعها على القماش، ثم تعيد طيّ ما لا يطابق معاييرها. تقول إن عملية الاختيار استغرقت وقتًا وجهدًا كبيرين، في محاولة لتوفير ملابس ذات جودة مقبولة في سوق يعاني شحًا حادًا منذ أشهر.
في المكان، يعلو صوت تمزيق الأشرطة اللاصقة، وتختلط رائحة الكرتون بالغبار. ورغم الإرهاق، وعدم قدرتها على تحقيق ربح يتناسب مع حجم العمل، تصف لحظة وصول البضاعة بأنّها "انتصار صغير"، يمنحها دافعًا للاستمرار في مشروع بات محفوفًا بالمخاطر.
تقول وهي تفك آخر كرتونة في دفعة جديدة: "أنا صاحبة بوتيك زهرة للملابس. أسوّق البضاعة عبر صفحة على إنستغرام بالشراكة مع أختي روان. بدأنا التفكير في المشروع عندما أصبحت الملابس شبه مفقودة من غزة، وقلت لنفسي: لماذا لا نحاول إدخال ما نحتاجه بأنفسنا؟".
لتحقيق ذلك، تواصلت مع شركة تنسيق، وبدأت باستيراد الملابس من محال تجارية في الضفة الغربية، تختارها عبر الإنترنت، ثم تُرسل إلى شركة تتولى إدخالها إلى غزة. يبلغ سعر الكرتونة الواحدة ما بين 1500 -2000 دولار أمريكي، وهو رقم تقول إنه يضع المشروع منذ البداية تحت ضغط مالي كبير.
في قطاع غزة، لا يتم إدخال البضائع وفق منظومة استيراد طبيعية أو واضحة، بل عبر ما يُعرف محليًا بـ "رسوم التنسيقات"، وهي مبالغ مالية غير رسمية تُفرض مقابل إدخال الشحنات عبر المعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي. ولا تُعد هذه الرسوم ضرائب أو جمارك معلنة، كما لا تُدفع لجهة حكومية محددة، وإنما تُسدد عبر شركات شحن وتنسيق ووسطاء، مقابل الحصول على موافقة إدخال وضمان عبور البضائع في توقيت معيّن، في ظل واقع سياسي وأمني متقلب.
وقد أجبرها ارتفاع رسوم التنسيق في المرة الأولى -كما تقول- على البيع دون أي ربح، بسبب التكلفة المرتفعة للقطعة الواحدة، ثم لاحقًا بدأت تحقق هامش ربح "ضئيل جدًا". وتضيف أنّ الخسائر لا تقتصر على الرسوم، إذ لم تصلّ أي شحنة كاملة دون نواقص. تتابع: "في كل مرة أعدّ القطع المفقودة. لا أعرف إن كانت تُسرق أم تضيع، ولا أملك دليلًا، لكن الخسارة تقع عليّ في النهاية".
تجربة المدهون ليست معزولة. فواقع رسوم التنسيقيات المفروضة على شاحنات الملابس جعل الاستمرار في المشاريع الصغيرة أكثر صعوبة. أصحاب رؤوس الأموال المحدودة باتوا مضطرين لدفع مبالغ مرتفعة لإدخال بضائعهم، في سوق يعاني تراجع القدرة الشرائية وتقلّب الأسعار، ما يحصر الاستفادة الفعلية في أيدي التجار الكبار، بينما يجد الصغار أنفسهم أمام خيارات محدودة: خسارة، أو توقف، أو هامش ربح لا يغطي النفقات.
حسين سلامة، (27 عامًا)، أحد هؤلاء الذين يعملون في تجارة الملابس بالاعتماد على الاستيراد المحدود من الخارج، وقد حاول قبل إغلاق الاحتلال الإسرائيلي معبر رفح في عام 2024 إدخال بضاعة اختارها من مصر بقيمة تقارب 6000 دولار لبيعها في السوق المحلي؛ إلا أنّ الظروف السياسية وإغلاق المعبر حالا دون وصولها إلى قطاع غزة.
مؤخرًا وبعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وبدء السماح بإدخال البضائع من الخارج، أعاد التفكير في إدخال بضاعته المحجوزة بالخارج، لكنه اصطدم بواقعٍ جديد: رسوم تنسيق تضاعفت نحو عشر مرات مقارنة بالسابق.
يقول سلامة: "فكرت بمشروع خاص بدافع الحاجة، لكنني وجدت نفسي بين خيارين: إما البيع بخسارة، أو رفع الأسعار بشكلٍ ينفّر الزبائن. لا أستطيع المخاطرة بإدخال البضاعة دون ضمان استعادة رأس المال، لذلك قررت تأجيلها".
ويضيف أنه تواصل مع عدة مكاتب تنسيق مؤخرًا، لكنّه فوجئ بأنّ تكلفة إدخال البضاعة قد تصلّ إلى 800 دولار. يردف: "هذا مبلغ كبير بالنسبة لي. لا أستطيع الاستدانة أكثر، فقد اقترضت أصلًا نصف قيمة البضاعة".
وتشير أرقام صادرة عن الغرفة التجارية في غزة إلى أنّ إجمالي ما دُفع على التنسيقات منذ بداية الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023 وحتى نوفمبر 2025 تجاوز 976 مليون دولار، فيما وصل سعر تنسيق شاحنة ملابس كاملة إلى نحو 350 ألف شيكل.
تأتي هذه الأعباء في سياق اقتصادي منهك داخل قطاع غزة. فقد تسبب النزاع في ارتفاع معدل البطالة إلى نحو 80%، وانهيار الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 83% خلال عام 2024، فيما تجاوز التضخم في أسعار السلع الأساسية 108% بحلول منتصف عام 2025، وفق تقديرات اقتصادية.
عنان فرج، وهو صاحب مشروع آخر، يواجه التحدّيات نفسها. لديه بضاعة خارج قطاع غزة، وجهز صفحة لتسويقها، لكنّه لم يتمكن من إدخالها بسبب ارتفاع رسوم التنسيق. يقول إنه يتواصل أسبوعيًا مع شركات الشحن، وينتظر انخفاضًا يسمح له بإدخال البضاعة كاملة مع هامش ربح محدود.
يقول فرج وهو ينهي مكالمة مع أحد مكاتب الشحن: "صار عندي هوس بالأسعار، أحفظها عن ظهر قلب. لاحظت أنها تتأرجح، وأعتقد أن أي انخفاض يحدث يكون مرتبط بالوضع السياسي وتدفق البضائع".
لفهم آلية إدخال البضائع لقطاع غزة، تحدثت مراسلة "آخر قصة" مع طارق اليازجي، صاحب شركة اليازجي للشحن في غزة. يوضح اليازجي أن أسعار التنسيقيات غير مستقرة، وتتغير بشكلٍ شبه يومي، وأحيانًا كل ساعة، تبعًا لقرارات الاحتلال الإسرائيلي. وتختلف التكلفة بحسب حجم الكرتونة ونوع البضاعة، إذ تتراوح بين 200 -600 دولار.
ويشير اليازجي إلى أن رسوم التنسيق تُدفع ضمن سلسلة ترتيبات لوجستية معقّدة تشمل شركات ووسطاء خارج وداخل غزة، مؤكدًا أن المستورد لا يدفع هذه المبالغ مباشرة لجهة رسمية إسرائيلية، بل عبر مكاتب وشركات وسيطة، وغالبًا دون إيصالات أو فواتير رسمية توضّح القيمة الحقيقية المدفوعة، ما يزيد من حالة عدم اليقين لدى التجار.
ويوضح أن تكلفة إدخال "مشطاح" يضم 10 كراتين كبيرة بلغت سابقًا نحو 3600 دولار، قبل أن تنخفض لاحقًا إلى 2400 ثم 2200 دولار. ويؤكد أن الإدخال لا يقتصر على البضائع التجارية، إذ يلجأ بعض الأفراد إلى إدخال ملابس أو مستلزمات شخصية ضمن الحدود المسموح بها، وتُعد الملابس والأحذية الأكثر طلبًا.
من جانبه، يقول المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تُشكِّل العمود الفقري للقطاع التجاري في غزة، لكن ارتفاع رسوم التنسيقيات دفع كثيرًا من أصحابها إلى المخاطرة بهوامش ربح لا تغطي التكاليف، أو الخروج من السوق وتأجيل مشاريعهم، ما يعطل الدورة الاقتصادية.
ويضيف أبو قمر أن غياب إطار قانوني واضح لرسوم التنسيقات، وافتقارها للشفافية، يحولها إلى عبء اقتصادي مباشر يُحمَّل في النهاية على المستهلك، إذ تُرفع أسعار السلع لتعويض هذه الكلف غير المتوقعة، ما يضعف القدرة الشرائية ويُفاقم هشاشة السوق المحلي.
وتتراوح تكلفة الشاحنة الواحدة، بحسب أبو قمر، بين 300 -800 ألف شيكل، حسب الحجم والنوع، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار التي يتحملها المستهلك. ويزيد الأمر تعقيدًا، بحسب أبو قمر، رفض الاحتلال حاليًا منح المستوردين فواتير رسمية توضح قيمة التنسيقيات المدفوعة.
في غزة، يتحول السعي إلى عمل يضمن الحدّ الأدنى من الاستقلال الاقتصادي إلى مغامرة عالية المخاطر. وبينما يواصل أصحاب المشاريع محاولاتهم، مدفوعين بأمل تحسن الأوضاع وانخفاض رسوم التنسيق التي غالبًا ما يتحملها المستهلك في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل هذه الرسوم الباهظة، وتأثيرها على من يحاولون شق طريقهم في سوق لا يرحم برؤوس أموال محدودة.


