غزة: الخيام تتمدد ومساحات لعب الأطفال تختفي

غزة: الخيام تتمدد ومساحات لعب الأطفال تختفي

يركض سعيد أحمد (11 عامًا) بين ممرّات خيام النزوح الضيقة وسط قطاع غزة، تتبعه شقيقته الصغيرة ذات الخمسة أعوام، قبل أن يجلس على ركام أحد البيوت ليلتقط أنفاسه المتقطّعة، في مشهد يلخّص غياب المساحات التي كانت تتسع لطفولته، بعدما تحوّلت الملاعب الشعبية وطرقات الحارات إلى أكوام من الردم والخيام. 

فوق الحجارة، يلمح بروازًا متبقيًا من صورة عائلية. يتأمّله قليلًا، ثم يبدأ في سرد حكاياته لشقيقته عن أرض الحي الواسعة في مخيم جباليا؛ تلك التي كانت تمتد كملعب مفتوح يجتمع فيه أولاد الحي، ويدخرون من مصروفهم لشراء زي رياضي وكرة جديدة، ثم يتذكر مبتسمًا: "هناك كانت تبدأ مبارياتنا الصغيرة".

اليوم، لم يعد لأحمد ملعب، ولا حتى فسحة تتطاير فيها غبرة الكرة. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، تقلّصت المساحات واتسعت الخيام، فاختفت الساحة التي احتضنت طفولته وحلّ محلها الركام والنفايات الممتدة. 

يقول بصوت طفولي رقيق: "كنا نلعب دائمًا في الإجازة الصيفية، لكنني الآن لا أجد مكانًا للعب، وفقدت كثيرًا من أصدقائي خلال الحرب".  لم يمارس اللعب منذ عامين، إذ انشغل بطوابير التكية والماء، ويشتاق للجري في الشوارع بلا خوف ولا تعثّر بأكوام الركام.

وليس سعيد وحده من فقدَ مساحات اللعب الشعبية التي كانت تشكّل متنفسًا للأطفال في غزة؛ فـعشرات الآلاف من الصغار، من بين نحو مليون طفل يشكّل الأطفال منهم ما يقارب 47% من سكان القطاع، فقدوا بدورهم تلك المساحات التي اختفت تحت وطأة الدمار وتحولت إلى ركام أو أماكن إيواء للنازحين. ومع تغيّر ملامح الشوارع، لم يعد اللعب في الحارات جزءًا من يوميات الأطفال، إذ يُقدّر حجم الركام الذي حلّ مكانها بنحو 55 مليون طن.

وحتى قبل الحرب، كانت الأسر الفقيرة تجد في المساحات المحدودة المتاحة متنفسًا متواضعًا لأطفالها، رغم كلفتها وصعوبتها. لكنّ الحرب لم تكتفِ بمضاعفة هذا العجز، بل دفعت به إلى مستوى غير مسبوق حين طالت ضرباتها البنية العمرانية نفسها، فاختفت المساحات القليلة التي كانت متاحة أصلًا.

وبحسب تحليل صور الأقمار الصناعية الصادر عن الأمم المتحدة، دُمّرت رفح في أقصى جنوب القطاع بالكامل، وتعرّضت خانيونس المجاورة لها لضرر طاول نحو 90% من مبانيها، فيما تضررت مدينة غزة بنسبة 83%، قبل أن يمتد الدمار شمالًا حيث تحوّل شمال القطاع إلى ركام هائل.

ودمّر العدوان نحو 330,500 وحدة سكنية - كليًا وجزئيًا-  حتى 27 أيلول/سبتمبر 2025، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ما يعني اختفاء آلاف المساحات التي كانت تشكّل ساحات لعب طبيعية للأطفال. ومع هذا الانهيار العمراني الواسع، لم تختفِ البيوت وحدها، بل تلاشت أيضًا ملامح الحياة اليومية التي شكّلت ذاكرة اللعب الأولى لجيل كامل.

كانت الألعاب الشعبية متنوعة بين كرة يركلها الأطفال في الشوارع بين البيوت، والغميضة والحجلة والبنانير، وهي أنماط لعب شكّلت جزءًا أساسيًا من يومياتهم، قبل أن تتلاشى مع اختفاء المساحات واتساع أعباء الحياة التي فُرضت عليهم. وبحسب منظمة اليونيسف، قُتل أو جُرح أكثر من 50 ألف طفل منذ بدء الحرب، ويعاني الأطفال من آثار نفسية شديدة انعكست على نموهم وسلوكهم.

سارة خليل (10 أعوام) كانت تلعب عصر كل خميس وجمعة مع رفيقاتها في حي الجلاء وسط مدينة غزة، ترسم بالطباشير خطوط الحجلة على الأرض الإسمنتية وتبدأ لعبتها بحجر صغير. ومنذ اليوم الأول للحرب، انقطعت تلك العادة التي شكّلت جزءًا من طقوس طفولتها. 

على إثر النزاع، فقدَت بيتها وأصبحت تعيش في مخيم إيواء بدير البلح وسط القطاع، ولم تعد تجد مكانًا للعب سوى رصيف الشارع القريب من المخيم. تجلس مع رفيقاتها ليرسمن على الورق ويلعبن ألعاب الأغاني بالتصفيق وترديد المقاطع، فالمساحات الواسعة لم تعد موجودة.

تقول والدتها إن الصغيرة تبكي كثيرًا لفقدانها اللعب أمام منزلها، وتنعزل كل يوم جمعة، وتردد بنبرة موجعة: "أمي، ألا يمكن أن نعود كما كنا؟ لو أمكن أن نغمض أعيننا ونعيش مثلما كنا من قبل".

في مخيم آخر للنازحين في النصيرات وسط القطاع، تركض يارا النجار (13 عامًا) ويتطاير شعرها خلفها وتعلو ضحكتها، قبل أن تتعثر بحجر صغير تطاير من بيت مقصوف. 

تقول إنها حين ترغب في اللعب تركض مع صديقاتها في سباقات الجري داخل المخيم، لكن الرمال والحجارة تعيق حركتهن. وتشتاق النجار للعب الكرة، لكنها لا تجد مكانًا واسعًا ولا حتى ناديًا، وتقول: "حتى الشارع الذي كان بجانب أرض كبيرة مفتوحة صار اليوم مكانًا مزدحمًا بالخيام".

ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة لقصي (12 عامًا)، كابتن فريق كرة القدم في حارته جنوبي خانيونس. فمنذ بدء الحرب لم يمسك كرة؛ فقد ضاعت كرته البيضاء المفضلة تحت ركام البيت، وانشغل بالعمل كبائع بسكويت وماء. 

يقول بحزن إنه انتقل من كونه كابتن فريق كرة القدم في الحارة وأحد أوائل الصف في المدرسة إلى العمل في الشوارع لتوفير الطعام لعائلته، لكنه يشتاق لحياته القديمة ولرئاسة الفريق الصغير ولأصوات التصفيق عند الفوز.

ومع هذا الواقع الذي يضيّق الخناق على طفولة جيل كامل، تبرز المفارقة بين ما يعيشه الأطفال في المخيمات وما يكفله لهم القانون من حقوق أساسية كان يفترض أن تحمي مساحات لعبهم وفرص نموهم. 

وينصّ القانون الأساسي الفلسطيني في المادة (26)، وقانون الطفل الفلسطيني في مادته (40)، واتفاقية اليونسكو على حماية حقوق الأطفال، وخصوصًا حقهم في اللعب والعيش في بيئة سوية، غير أن النزاع الممتد منذ عام 2023 وما تزال تداعياته حاضرة بقوة قد حرمهم هذه الحقوق وترك آثارًا طويلة لما بعد الحرب.

يكشف الواقع على الأرض فجوة واسعة بين ما تكفله القوانين والاتفاقيات وبين ما يعيشه الأطفال يوميًا في قطاع غزة، إذ لم تعد حقوقهم المضمونة نظريًا تجد أي تجسيد في بيئة مزّقتها الحرب وحوّلت مقومات الحياة الأساسية إلى استثناء. ومع غياب المساحات الآمنة وتضرر البنية التحتية، تتوالى المؤشرات التي ترصد حجم الانعكاسات المباشرة على حياتهم وتعليمهم وصحتهم النفسية.

وكان القطاع أصلًا يعاني قبل الحرب من تقلّص المساحات المفتوحة بسبب الزحف العمراني والكثافة السكانية، ما جعل خيارات اللعب محدودة حتى قبل الدمار الواسع.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن 87% من مدارس غزة دُمرت أو تضررت جزئيًا، وتحولت كثير منها إلى مراكز إيواء، ما حرم الأطفال مساحات اللعب المدرسية. وفي دراسة أُجريت في يونيو 2024 من قبل منظمة "وار تشايلد" على 504 أطفال من ذوي الإعاقة أو المصابين أو المنفصلين عن أسرهم، أظهرت النتائج أن 96% منهم يشعرون بأن الموت وشيك، و49% عبّروا عن رغبتهم في الموت، و79% يعانون من كوابيس متكررة، فيما يعاني 73% سلوكيات عدوانية.

يمتد أثر فقدان مساحات اللعب إلى عمق الصحة النفسية للأطفال، إذ تغيّرت طباعهم وسلوكياتهم، وأصبحوا أكثر توترًا وعنفًا، لأن الحرب حرمتهم فرصة التنفيس عن أنفسهم وأضعفت مهاراتهم الاجتماعية وزادت الضغوط عليهم. 

يوضح المختص النفسي عرفات حلس أن اللعب الحر يشكل متنفسًا أساسيًا، فهو يعكس طبيعة الطفل المتمردة ويتيح له استكشاف العالم، خصوصًا في الحارات الشعبية التي كانت توفر مساحات واسعة للقاءات والألعاب. يقول: "اللعب هو اللغة التي يعبر بها الأطفال عن مشاعرهم، وحرمانهم منه يشبه حرمانهم من الغذاء أو الدواء".

ويضيف أن المساحات المفتوحة تساعد في ضبط التوازن البدني وتطوير المهارات الرياضية وتعزيز الثقة بالنفس، وتتيح فرص التعلم بالتجربة والخطأ، وعندما يحقق الطفل نجاحًا صغيرًا تتعزز ثقته بنفسه. ومع اختفاء تلك المساحات تقلّ هذه الفرص ويضعف تأثيرها الإيجابي، وتتزايد الضغوط النفسية على الأطفال وأسرهم. 

كما أن ضيق المساحات في المخيمات الجديدة خلق بيئة اجتماعية مغايرة، وفقد الأطفال قدرتهم على اللعب بحرية، وظهرت تصرفات سلبية مثل الألفاظ النابية أو السرقة والعنف كنتيجة لضغوط البيئة المحيطة.

يرى حلس أن التخفيف من آثار فقدان مساحات اللعب يبدأ بخطوات بسيطة لكنها ذات أثر كبير، مثل أن تتيح الأسر لأطفالها اللعب بحرية في مساحة صغيرة بين الخيام دون الصراخ عليهم، ومنحهم حدًّا أدنى من الحرية، إلى جانب دور مؤسسات المجتمع المدني في توفير أنشطة ترفيهية وتنمية مهارات الأطفال عبر إنشاء أماكن وملاعب آمنة بعيدًا عن مخلفات الحرب.

يبقى الأطفال في غزة في شوق متجدد لذاكرة اللعب بين الأزقة والحارات، فبفقدانهم مساحات اللعب الشعبية، فقدوا جزءًا من أنفسهم. وما زالوا يواجهون غياب أجواء اللعب الحر في بيئة تزداد ضيقًا تحت ثقل الحرب وتداعياتها، فيما تواصل طفولتهم الانكماش بين الخيام والركام بدل أن تنمو في مساحات آمنة وواسعة كما ينبغي.