صالونات التجميل تعود للحياة وسط الركام والخيام

صالونات التجميل تعود للحياة وسط الركام والخيام

لم يعد لأية الوادية (32 عامًا) مكانٌ تعود إليه وهي تحمل حقيبة أدواتها. صالونها الصغير في وسط مدينة غزة، الذي كانت تعرف تفاصيله الدقيقة كما تعرف كفّيها، دُمّر بالكامل خلال القصف. اختفت المرايا الكبيرة، والكراسي الاحترافية، والأدوات التجميلية التي راكمتها عامًا بعد عام، كما لو أن سنوات العمل نفسها أُزيلت دفعة واحدة.

لكن الوادية لم تتوقف، انتقلت إلى العمل داخل فيلا شبه خالية تعود لأحد أقاربها. الجدران متشققة، والنوافذ بلا زجاج، والبرد يتسلل إلى المكان قبل الزبونات. تقول إن المساحة واسعة، لكنّها خالية من أي شيء يُشبه حياتها قبل عامين لذلك تحاول، كما تقول، "أن تملأها بالحياة".

نصبت مرآة كبيرة مائلة على الحائط، وفرشت زاوية صغيرة بعدة كراسٍ، وبدأت باستقبال زبوناتها من جديد. تقول إن الفيلا ليست صالونًا، لكنها المساحة الوحيدة المتاحة للعمل بعد الحرب. بالنسبة لها، العمل لم يعد ترفًا أو خيارًا، بل محاولة للبقاء وطريقة لإثبات أن ما تهدّم يمكن أن يُعاد بناؤه ولو بشكل هشّ.

في قطاع غزة، تحوّلت صالونات التجميل بعد الحرب من مشاريع صغيرة إلى وسائل إعالة قسرية. قبل القصف، كان يعمل في القطاع أكثر من ألفي صالون مرخّص، تضرر معظمها كليًا أو جزئيًا، ما دفع كثيرًا من صاحباتها إلى نقل العمل إلى خيام النزوح أو أماكن مدمّرة. هذه الصالونات المؤقتة، التي تستقبل يوميًا عددًا محدودًا من الزبونات، لم تعد تقدم خدمات تجميل بقدر ما تؤمّن استمرارية اقتصادية ونفسية لعائلات بأكملها.

على بُعد مئات مترات قليلة من الوادية، تأخذ الحكاية شكلًا أكثر هشاشة. في منطقة نزوح وسط حيّ الرمال بمدينة غزة، تفتح أميمة ضاهر (35 عامًا) باب صالونها المؤقت كل صباح. وهو عبارة عن خيمة من قماش أزرق باهت، وبجانبها لافتة كُتب عليها بخط اليد: "صالون أحلى طلة". تقف لبضع دقائق تشدّ حبال الخيمة، كما لو أنها تتأكد أن الحياة ما زالت ثابتة في مكانها، قبل أن تبدأ يومها.

فقدَت ضاهر منزلها بالكامل خلال النزاع. وجدت نفسها فجأة المسؤولة الوحيدة عن إعالة أسرتها، دون رأس مال أو معدات. لم يكن معها سوى حقيبة قديمة من أدوات التجميل، وذاكرة مهنية راكمتها عبر سنوات من العمل. داخل الخيمة، علّقت مرآة صغيرة على عمود معدني، وضعت كرسيًا بلاستيكيًا مستعملًا، وبدأت من جديد. تقول إنّ الخيمة لم تكن خيارًا بقدر ما كانت المساحة الوحيدة المتاحة: "إما أشتغل هيك، أو نوقف نعيش".

تستقبل هذه "الكوافير" يوميًا ما بين ثماني إلى اثنتي عشرة زبونة. معظمهن نازحات فقدن بيوتهن. لا يأتين طلبًا للكماليات، بل في سعيٍ لاستعادة ما تبقّى من ذواتهن. داخل الخيمة الضيقة، تتحوّل اللحظات إلى فسحة فرح نادرة: ضحكات قصيرة، أحاديث عن أعراس مؤجلة، وأغانٍ خافتة تنبعث من هاتف محمول. تقول ضاهر إن هذه اللحظات تجعل النساء ينسين، ولو قليلًا، ما حدث لهن، وتضيف: "مستحيل نوقف عند الدمار. بدنا نتعافى بأي ثمن".

أما شادية البكري (42 عامًا)، فلا تعرف أين كان باب منزلها بالضبط. فعند مفترق بهلول في حيّ الشيخ رضوان وسط مدينة غزة، حيث كانت تقطن، غيّر الدمار شكل المكان إلى حدّ لم يعد يسمح بتمييز التفاصيل. فوق الركام، تنصب كرسيًا بلاستيكيًا، تمدّ سلك كهرباء من مولّد قريب، وتعلّق مرآة على جدار متصدّع. تقول إن المكان يمكن إعادة بنائه، أما الحياة فلا بد أن تستمر.

ترصّ البكري أدوات التجميل القليلة التي تملكها على قطعة قماش صغيرة، كأنها ترتّب ما تبقّى من مهنتها: قلم كحل، مسحوق بودرة للخدود، مسكارا، وعلبة جل. تلتقط كل أداة ببطء، تمرّر البودرة برفقٍ على وجنتي عروس تجلس أمامها بصمت، جسدها ساكن لكن نظرتها معلّقة بمرآة صغيرة أمامها، تتابع انعكاسها دون أن تقول شيئًا، كأنها تحاول تثبيت لحظة هدوء عابرة وسط ضجيج المكان.

تقول في حديثها مع مراسلة "آخر قصة"، إن هذا الصمت ليس حزنًا، بل محاولة للفرح. الجلوس أمام المرآة، في مثل هذا المكان، لا يجمّل فقط، بل يشبه فعل تحدٍّ. وفي هذا الصالون المفتوح، تختلط أصوات الضحك مع ضجيج الشارع، لتقول: "طالما في امرأة بدها تفرح، أنا بكمّل".

ورغم الخسائر الكبيرة، يواصل نحو 1800 صالون تجميل مرخّص في قطاع غزة العمل بشكلٍ جزئي، حتى داخل مراكز الإيواء المؤقتة. من بين الزبونات، تحاول مريم أحمد (30 عامًا)، وهي أم لطفلين، الحفاظ على لمسة من حياتها الطبيعية. 

تزور الصالون مرة كل أسبوعين، لا بدافع البذخ، بل، كما تقول، لإعادة ترتيب روحها قبل شكلها. تكتفي بتهذيب حاجبيها ووضع لمسة خفيفة من مساحيق التجميل. تقول مبتسمة بخجل: "بحس هون إني ما عشت سنتين تعب وبهدلة، بس ما قادرة أوقف وما أعيش".

ندى حرب (22 عامًا) لم تحلم بفستان أبيض طويل ولا بقاعة مزدحمة بالمهنئين. كل ما أرادته بعد النزاع أن يمرّ يوم زفافها بسلام. جلست على كرسي بلاستيكي داخل صالون صغير، بينما كانت الخيمة تهتز مع الريح من حولها. أمامها مرآة صغيرة، وأدوات تجميل محدودة. اختارت مكياجًا بسيطًا، كما تقول، مراعاةً لمشاعر من فقدوا أبناءهم وبيوتهم. وعندما انتهت، رفعت رأسها قليلًا، وأضافت بابتسامة خجولة: "اليوم أسمح لنفسي لأول مرة منذ شهور أصدّق إن الحياة ممكن تكمل".

ومع بدء وصول بعض شاحنات المساعدات بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، بدأت منتجات التجميل تصل إلى غزة من مصر وتركيا. تقول منى الأدهم، العاملة في محل "كوزمتكس"، إنّ هذه المنتجات لم تعد مجرد بضائع، بل وسائل بسيطة لرفع المعنويات واستعادة شيء من الحياة اليومية.

ترى الأخصائية النفسية والاجتماعية أنوار أبو زايدة أن صالونات التجميل بعد الحرب لم تعد مجرّد أماكن للعناية بالمظهر، بل تحوّلت إلى مساحات صغيرة للتعافي النفسي والاجتماعي، ليس للزبونات فقط، بل لصاحباتها أيضًا. فكثير من صاحبات الصالونات فقدن محالهن بالكامل، وخسرن أدوات عمل راكمنها على مدى سنوات، واضطررن إلى البدء من جديد بإمكانات محدودة، بينما يعشن هنّ أنفسهن ظروف النزوح ذاتها.

وفي الوقت الذي تفتقد فيه نساء كثيرات في الخيام إلى الحدّ الأدنى من مقومات الحياة اليومية، لا مرايا، ولا خصوصية، ولا طقوس شخصية، تجد صاحبات الصالونات أنفسهن مطالبات بتقديم هذا الحدّ الأدنى لغيرهن، رغم خساراتهن الشخصية. بعضهن مكثن لأشهر دون أن ينظرن إلى انعكاس وجوههن، غارقات في عذابات النزوح ومرارة العيش داخل الخيام.

في هذا السياق، يصبح الجلوس أمام مرآة، ترتيب الشعر، أو وضع لمسة مكياج فعلًا يتجاوز العناية بالشكل. إنه استعادة مؤقتة للذات، وإشارة إلى أن المرأة ما زالت تملك هامشًا من السيطرة على حياتها، رغم كل ما فُقد. وحتى اللواتي مررن بصدمات نفسية أو فقدان مباشر، يجدن في هذه الطقوس البسيطة لحظة لإعادة ترتيب أنفسهن من الداخل، واستعادة شعور خافت بالقوة والاستمرارية.

بين الخيام وفوق الركام، تواصل صاحبات صالونات التجميل في غزة العمل بما توفر لديهن من أدوات ومساحات مؤقتة. في هذه الأماكن الهشّة، بمرايا مكسورة وأدوات قليلة، فكل لمسة جمال، مهما بدت بسيطة، ليست زينة عابرة، بل تثبيت لإحساس أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.