العودة إلى الرقعة: كيف أعاد شطرنج غزة ترتيب نفسه؟

العودة إلى الرقعة: كيف أعاد شطرنج غزة ترتيب نفسه؟

في قاعة صغيرة أعيد افتتاحها على عجل، كان الصمت هو اللاعب غير المرئي الأول. طاولات متقاربة، ورقعة خشبية تبدو وكأنها تحاول استيعاب فراغ أكبر من المساحة الفعلية. هنا، في قطاع غزة، لم تكن عودة قطع الشطرنج إلى مواقعها مجرد استئناف للعبة، بل كانت إشارة. بعد أكثر من عامين من التوقف القسري بسبب النزاع، اجتمع 52 لاعبة ولاعبًا لثلاثة أيام في ما يشبه هدنة ذهنية داخل مدينة لا تعرف الهدن الطويلة.

على الرقعة، كان الوقت محددًا بدقة: 15 دقيقة لكل لاعب، مع 10 ثوانٍ إضافية لكل نقلة، عبر سبع جولات. خارجها، بقي الزمن مفتوحًا على كل ما لم يُحلّ بعد. لم تكن "بطولة العودة والوفاء" مجرد نشاط رياضي، بل طقسًا جماعيًا لإعادة ترتيب العالم، ولو داخل مربعات لا تتجاوز أربعة وستين خانة. افتُتحت البطولة بذكرى أسماء لاعبين رحلوا خلال العامين الماضيين، حيث فقد الاتحاد ما لا يقل عن ثمانية لاعبين بين شهداء ونازحين بلا أثر.

يقول محمد عوض (19 عامًا)، لاعب شطرنج منذ طفولته، قبل بدء جولته الأولى: "آخر مرة شاركت في بطولة كانت قبل الحرب بأشهر. بعدها، كنت أرتّب القطع في البيت فقط. اليوم أشعر أنني أعود إلى نفسي، حتى لو خسرت".

الشطرنج امتداد للمكان، يحمل منطقه وسط الفوضى

في هذا السياق، لا تُلعب اللعبة بمعزل عن الواقع؛ فهي تحمل منطقها الصارم وسط فوضى يومية لا تنتهي. تدرب بعض اللاعبين خلال الانقطاع في البيوت أو مراكز الإيواء، بينما لم يلمس آخرون رقعة منذ أشهر طويلة. ومع ذلك، كان الانضباط لافتًا والحركات دقيقة، وكأن اللعبة استعادت قواعدها أسرع مما استعادها الواقع المحيط.

تقول سارة شادي (14 عامًا)، أصغر المشاركات، وهي تضبط ساعة اللعب: "في الشطرنج أفكر قبل أن أتحرك. في القصف لم يكن لدينا هذا الوقت". تخسر جولتها، لكنها تبتسم، في إشارة إلى أن الخسارة هنا ذات قواعد مفهومة.

أولوية وطنية ومساحة نادرة للاستقرار النفسي

بالنسبة للمنظمين، لم يكن قرار العودة في هذا التوقيت قرارًا تنظيميًا فحسب. يقول شريف ظاهر، نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للشطرنج: "هذه أولوية وطنية وأخلاقية". ويشير إلى توقف أكثر من 70% من برامج الاتحاد خلال الحرب، مع خروج ثلاث قاعات تدريبية عن الخدمة. "نحن نبعث برسالة أمل لجيل كامل، ونؤكد أن الفكر والإبداع أقوى من الدمار".

في الصفوف الخلفية، جلس المشاهدون بصمت. يقول أحدهم، أشرف حامد (52 عامًا)، وهو يراقب: "كنا نحلم ببطولات خارجية. اليوم حلمنا أن تكتمل الجولة دون أصوات قصف".

ترى نيلي مصري، عضو الاتحاد والمتحدثة باسمه في غزة، في البطولة اختبارًا لقدرة المؤسسة على العودة "ميدانيًا". وتقول إن الاتحاد حافظ خلال فترة التوقف على تواصل متقطع مع نحو 120 لاعبًا ولاعبة، كدعم معنوي. "كنا نعرف أن العودة لن تكون سهلة، لكن الشطرنج مساحة نادرة للاستقرار النفسي، خاصة للشباب".

إكمال الجولة بحد ذاته إنجاز

بحلول نهاية اليوم الأول، أُنجزت الجولتان الأولى والثانية دون انسحابات تُذكر. في مدينة اعتادت أن تتوقف فيها الأشياء فجأة، بدا هذا التفصيل وحده إنجازًا. لاعب خسر مباراته في اللحظات الأخيرة علّق قائلاً: "الخسارة هنا على الأقل مفهومة".

بطولة العودة والوفاء هي أول نشاط رسمي للاتحاد الفلسطيني للشطرنج في غزة منذ بداية الحرب. لكنها، في عيون الكثيرين، بدت أقل كعودة إلى الماضي، وأكثر كبداية حذرة لشيء لم يتشكل بعد. أن تلعب الشطرنج في غزة اليوم يعني أن تفاوض الواقع نقلة تلو الأخرى، وأن يكون التفكير المدروس بحد ذاته فعل صمود، وأن تحريك قطعة صغيرة على رقعة قد يكون، في هذا المكان تحديدًا، فعل أمل محسوب بدقة.