بدائل خطرة "للشامبو" تتسبب في الإكزيما والصدفية

في ظلّ العجز

بدائل خطرة "للشامبو" تتسبب في الإكزيما والصدفية

عند منتصف الليل، وقفت رولا حسان (23 عامًا) أمام مرآة صغيرة متصدعة، تستخدم ضوء هاتفها لتفحص فروة رأسها، بعدما استيقظت على حكة شديدة جعلتها تفرك حتى سال الدم.

قبل الحرب، كانت تشتري مستحضرات العناية بالشعر بانتظام. اليوم، بعد نحو خمسة شهور من إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر، اختفى الشامبو من الأسواق أما الكميات النادرة المتوفرة أصبحت باهظة الثمن. تقول: "منذ شهرين وأنا أبحث عن عبوة شامبو بلا جدوى. أضطر لغسل شعري بصابونة رديئة، سببت لي التهابات وقشرة".

قصّت رولا شعرها الطويل الذي تحبه لتسريع علاجه ولتخفيف استخدام الماء، واحتفظت بخصلات شعرها المقصوص في كيسٍ بلاستيكي، تقول والندم يعتريها: "ظننت أني سأرتاح، لكنني خسرت جزءًا من نفسي. القشور تزداد، والشعر فقَدَ لمعانه ونعومته".

حسان ليست الوحيدة التي تعاني من نقص توفر منتجات العناية بالشعر والصحة الشخصية، فهناك أكثر من مليون ونصف إنسان في غزة محرومون من أبسط مستلزمات العناية بالصحة الشخصية. منذ بدء الحرب الإسرائيلية، فُرضت قيود على دخول مواد التنظيف بكل أشكالها، ومنذ مارس الماضي مُنع إدخالها كليًا.

محمد خليل (30 عامًا) اضطر لتجربة بدائل خطيرة للغاية لم تكن لتخطر على بال، فاستخدم معقم اليدين لغسل شعره ولاحظ تساقطًا في المقدمة. قبل هذه الظروف، كان يتعامل مع بقعة صلع صغيرة في رأسه شُخصت كثعلبة، لكنها لم تتوسع. 

يقول خليل: "كنت أستخدم شامبو طبي، وبالفعل ساهم في الحفاظ على سلامة شعري وفروة رأسي جيدًا، لكنني الآن أغسل شعري بالمعقم وأحيانًا بمعجون الأسنان؛ ما تسبب لي بحرقان في فروة الرأس فأوقفت استخدامه".

بدائل خطرة للشامبو في غزة

في محافظات جنوب قطاع غزة، خلال أزمة انقطاع مواد العناية الشخصية في فترةٍ آنفة من النزاع المستمر منذ أكتوبر 2023، لجأ بعض من السكان لاستخدام مسحوق جلي الآنية في غسل الشعر. 

فاطمة رجب (55 عامًا) إحدى الذين نزحوا إلى جنوب القطاع في بداية الأحداث الجارية، كانت من أولئك الذين استخدموا منظف الجلي في غسل شعرهم؛ ما سبَّب لها تساقطًا وإكزيما في فروة الرأس

أما الآن، وبعد عودتها لشمال قطاع غزة في فبراير خلال فترة وقف إطلاق النار المؤقت، عادت تواجه الأزمة ذاتها مجددًا عندما تسبب الانقطاع الأخير في دخول المنتجات لتفاقم أزمات متعددة على جميع سكان محافظات القطاع.

تقول: "انتهت عبوة الشامبو منذ شهر ونصف. فأصبحت أغسل شعري كل عشرة أيام. لكن ذلك تسبب لي بمشكلات صحية إذ أصبحت القشرة كثيفة في رأسي، والفروة مليئة بالحكة والبثور الحمراء". 

وتحاول رجب السيطرة على هيشان شعرها بزيتٍ رخيص اشترته من بسطة في أحد الأسواق العشوائية المنتشرة في كل مناطق القطاع، لكنها تتجنب وضعه عند فروة رأسها خوفًا من انتشار الحساسية فيها.

أمراض فروة الرأس والجلد

أدى غياب الشامبو إلى لجوء السكان لاستخدام بدائل خطرة مثل الصابون الرديء ومعقم اليدين ومعجون الأسنان ومنظف الجلي. وفي غزة، حيث يفتقر الناس إلى الدواء والمياه النظيفة، تحولت هذه البدائل إلى سبب مباشر لانتشار أمراض فروة الرأس أبرزها القمل، الجرب، الطفح الجلدي، الإكزيما، الصدفية والالتهابات الفطرية، إلى جانب تساقط الشعر والثعلبة، ما جعل أزمة النظافة الشخصية تهديدًا صحيًا واسع النطاق.

الضرر الناتج عن استخدام البدائل غير الصحية لغسل الشعر، تجاوز مشكلات الشعر إلى الجلد، إذ تشير تقارير طبية محلية إلى أن نقص مواد النظافة وتلوث المياه فاقما أمراض الجلد. وكانت منظمة الصحة العالمية قد سجلت في إحصاءات وردت عنها حتى يوليو 2024، إصابة أكثر من 103 ألف حالة جرب وقمل، و65 ألف حالة طفح جلدي في قطاع غزة.

غرام منير (15 عامًا) التقطت عدوى القمل من صديقة في مخيم بمواصي خانيونس جنوب قطاع غزة. تقول: "الحرارة والعرق مع قلة غسل الشعر أصابتني بالتهابات واحمرارًا في فروة الرأس وتساقطًا شديدًا في الشعر. فلجأت للصيدلية وتناولت مضادًا حيويًا، لكنه لم يجدي فبمجرد أن أتوقف عن تناوله تعود الالتهابات من جديد".

طبيب الجلدية إبراهيم حبوب أكد أن غياب الشامبو أدى إلى تفشي أمراض فروة الرأس مثل الإكزيما والصدفية والالتهابات الفطرية. يقول: "زيادة التعرق وارتفاع الحرارة مع قلة غسل الشعر دمرت فروة الرأس. الشامبو ينظف الدهون، وبدونه يحدث تحسس متواصل". 

وحذر حبوب من استخدام منتجات غير مخصصة للشعر مثل الصابون أو المعقمات، مشيرًا إلى أنّ فروة الرأس عبارة عن نسيج حي لا يحتمل الكيماويات، فالأطفال تحديدًا الذين يصابون بالالتهابات البكتيرية، تتحسن حالتهم مع المضادات الحيوية ثم تنتكس بمجرد التوقف عن العلاج.

الحق في الصحة بغزة

يتنافى ما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي من منع دخول مستحضرات العناية الشخصية، بما في ذلك الشامبو، مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي تكفل الحق في الصحة والنظافة وكرامة الإنسان. ووفقًا للقانون الدولي الإنساني، يشكّل هذا المنع مخالفة واضحة، إذ تحظر المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة العقوبات الجماعية، وتعتبر حرمان المدنيين من الإمدادات الأساسية شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور.

في غزة، لم يعد الحرمان من الشامبو مجرد مسألة عناية شخصية، بل حرمان من حق أساسي في الصحة والحياة الكريمة. غياب مستحضرات النظافة جعل فروة الرأس والجلد مسرحًا للأمراض، وحوّل الأطفال والنساء والرجال إلى ضحايا لالتهابات يمكن الوقاية منها بسهولة لو سُمح بدخول أبسط المستلزمات.

وبينما تسجل المنظمات الدولية ارتفاعًا متسارعًا في أعداد الإصابات، يبقى السؤال معلّقًا: إلى متى سيبقى سكان غزة محرومين من حقهم في أبسط أشكال الحماية الصحية؟