حُفاة الأقدام.. عن الحرمان من نعمة الحذاء

حُفاة الأقدام.. عن الحرمان من نعمة الحذاء

تسير الطفلة سالي حاتم (3 أعوام) حافية فوق أرض موحلة بين خيامٍ متراصة في حي النصر غرب مدينة غزة، حيث يحوّل غياب الحذاء خطواتها الصغيرة إلى رحلة مؤلمة منذ البداية. 

تتفادى بخطواتها الصغيرة تعرّجات الأرض ومياه الصرف المتسربة، لكن قدميها المتشققتين لم تعودا تحتملان الالتهابات والأوساخ. ومع الصيف، تتحول الأرض إلى سطح حارق يلهب أقدام الأطفال ويجبرهم على القفز والبكاء. قدما سالي تختصران أزمةً إنسانية قاسية، عنوانها اختفاء أبسط السلع من أسواق غزة: أحذية الأطفال.

سارة هي واحدة من حوالي 340 ألف طفل دون الخامسة في قطاع غزة، الذين يُشكِّلون ما يُقارب ثلث أطفال القطاع، وفقًا لبيان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادر في 24 أكتوبر 2023؛ ما يعني أنّ هناك شريحة واسعة من الأطفال في سنّ النمو المبكر تُركت دون أبسط مقومات الحماية، ومنها حذاء يحمي أقدامهم.

في قطاع غزة، تتفاقم معاناة الأهالي تحت وطأة إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر ومنع إدخال البضائع تحت وقع الحرب، لتتراكم الأزمات فوق كاهلهم. وبين التحديات الهائلة التي تواجه آلاف العائلات النازحة، يصبح تأمين أبسط احتياجات الأطفال، مثل الأحذية، مهمة شبه مستحيلة وسط شح حادّ في الإمدادات وانهيار اقتصادي خانق، وظروف معيشية صعبة.

سمر أبو عويلي (34 عاماً) من حي الرمال وسط مدينة غزة، نزحت من بيتها شمال قطاع غزة مع طفلها الرضيع حين كان عمره خمسة أشهر فقط. تقول بألم: "كانت من أصعب اللحظات حيث افتقدت إلى أبسط مقومات الاستقرار والأمان. نعيش الآن في غرفة متضررة جزئيًا، نواجه الخوف على مدار اللحظة، والأصعب أنني أعجز عن حماية قدمي طفلي". 

وتصف أبو عويلي بحثها اليومي عن حذاء لابنها محمد الذي أصبح اليوم يبلغ من العمر عامين وثلاثة أشهر، دون جدوى، في أسواقٍ تكادّ تخلو من مقاسات الأطفال. تضيف: "حاولت الاستعانة بالجيران، لكنهم أيضًا فقدوا بيوتهم وخسروا كل ممتلكاتهم فيها فلم أجد لديهم طلبي".

الوضع الذي تواجهه هذه العائلات يكتسب بُعدًا كارثيًا خاصًا عندما ندرك أنّ هؤلاء الأطفال الصغار هم الأكثر عرضة للأمراض والعدوى نتيجة المشي حفاة في بيئة ملوثة.

خلال جولة لمراسلة "آخر قصة" في سوق الرمال وسط مدينة غزة، لوحظ وجود بسطات قليلة تعرض عددًا محدودًا من الأحذية المنزلية، حيث يتراوح سعر زوج أحذية الأطفال بين40–30 شيكلاً، وزوج أحذية النساء بين60–40 شيكلاً، بعد أن كانت لا تتجاوز بين 15–8 شيكلاً قبل الحرب. أما بقية الأنواع فوجودها نادر وقديم.

وتأتي هذه الزيادة في الأسعار في وقتٍ يعيش فيه 93% من السكان حالة انعدام أمن غذائي، مع بطالة تتجاوز 85% وفقر يطال 95% من الأسر، ما يجعل الحذاء رفاهية أمام أولويات الطعام والماء.

في منطقة المواصي غرب خان يونس جنوب القطاع، تعيش أمل أكرم (36 عامًا) مع أسرتها في خيمة ذات أرضية رملية مكشوفة على محيط زراعي. وجدت نفسها مضطرة لشراء حذاء باهظ الثمن لطفلتها "ندى" التي بدأت تخطو حديثًا، خوفًا من أن تلسعها الزواحف أو تقضم القوارض قدميها العاريتين. تقول أكرم: "المكان أمام خيمتي مكشوف، والأرض مليئة بالحشرات والزواحف، خفت عليها من لسعة تصيب قدميها".

تكلفة الحذاء الذي اشترته تعادل كلفة إطعام العائلة ليوم كامل، وهو ما يضع مئات الآلاف من الأسر أمام خيارات قاسية: إما تأمين الطعام لأطفالهم الجائعين، أو حمايتهم من الأرض الملوثة والحارة. أزمة الأحذية هنا لا تعكس مجرد نقص في السلع، بل تكشف انهيارًا اقتصاديًا شاملًا حوّل أبسط الاحتياجات إلى كماليات بعيدة المنال.

على نحوٍ آخر اضطرت كثير من الأمهات، مثل تهاني برزق (38 عاماً)، إلى حلول بدائية بعدما استنفدت كل المحاولات في البحث عن نعلٍ مناسب لصغيرها حسن (3 سنوات) في الأسواق من شارع الرمال وسط مدينة إلى سوق الشيخ رضوان شمال المدينة. 

اشترت برزق، أم لخمسة أطفال، حذاءً أكبر بكثير من مقاس طفلها، ثم قامت بقصه وإعادة خياطته. لكنّ الحذاء المُعدّل سرعان ما تمزق، مما يتسبب في سقوط الطفل المتكرر أثناء سيره على الأرض غير المستوية في شوارع غزة المتضررة من القصف الإسرائيلي؛ ما دفعها للعودة إلى رحلات البحث في سوقٍ تخلو من الحلول.

يشهد قطاع الأحذية في غزة انهيارًا غير مسبوق، وهو ما يضاعف من المعاناة الإنسانية في ظلّ تدمير البنية التحتية والمعيشية، خاصة لهؤلاء الأطفال الصغار الذين يُشكّلون شريحة حساسة وكبيرة من المجتمع.

يشير تجار إلى أنَّ الأسواق تعاني من ندرة حادّة، خاصّة في أحذية الأطفال والمواليد، نتيجة توقف الاستيراد منذ أشهر. شادي لولو (37 عامًا)، تاجر أحذية ونازح في دير البلح وسط قطاع غزة، يقول: "لم أشهد هذا الوضع طوال 15 عامًا من العمل. كثير من الأطفال يرسلهم أهاليهم حفاة، حتى الأحذية المنزلية البسيطة لم تعد موجودة".

ويكشف لولو عن خسائره الفادحة، حيث دمُرِّ أحدّ أكبر معارضه في رفح جنوب القطاع؛ مما كلفه خسائر تُقدَّر بملايين الدولارات. يتابع: "لم نعد قادرين على إدخال بضائع جديدة، الوضع غير آمن والنزوح المستمر يزيد المخاطر".

رمزي الحداد، تاجر أحذية من الشجاعية شرق مدينة غزة نزح إلى المحافظة الوسطى حيث دير البلح، يوضح أنّ الأزمة بلغت ذروتها مع اختفاء الأحذية تمامًا من السوق منذ نحو 20 يومًا، بينما توقفت المحلات عن العمل منذ أكثر من 80 يومًا.

ويشير الحداد إلى أنّ هناك بضائع لتجار من قطاع غزة تُقدّر بملايين الدولارات ما زالت عالقة في مخازن بالضفة الغربية وإسرائيل، مع استمرار دفع إيجارات مرتفعة عليها.

أما صبحي برغوث (32 عاماً)، تاجر أحذية منزلية من غزة، فيؤكد أنّ الكميات التي استوردها في مارس/آذار الماضي نفدت بالكامل قبل عيد الفطر المنصرم. يقول: "الأحذية نادرة جدًا وبأسعار باهظة. الأزمة تتعمق مع احتجاز بضائعنا في مصر والضفة الغربية دون وجود أفق لإدخالها".

على مستوى القطاع الصناعي، يؤكد فتحي عوض، عضو اتحاد الصناعات الجلدية، أنّ القطاع يشهد واحدة من أسوأ أزماته. ويقول: "رفضت السلطات الإسرائيلية إدخال المواد الخام منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023".

يشير عوض إلى أنّ أصحاب المصانع والتجار يعانون من هذه الأزمة بشكلٍ كبير، يضيف: "دمر القصف 80 مصنعًا بالكامل وتسبب في توقف ما بين 500 -700 عامل عن العمل. بعض هذه المصانع كان يُصدِّر للخارج، واليوم القطاع أصبح مشلولًا تمامًا".

هذه الصورة القاتمة تظهر أن أزمة الأحذية في غزة ليست مجرد نقص في سلعة، بل مرآة لانهيار اقتصادي وإنساني شامل؛ أطفال حفاة تحت أنقاض حرب لا تتوقف، وأسر عاجزة حتى عن توفير ما يحمي خطواتهم الأولى في الحياة.