يجلس عبود نصار (38 عامًا) داخل خيمته في مخيمٍ للنازحين ببلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، يتفحّص هاتفه وهو يراجع الرابط الخاص بوزارة التنمية الاجتماعية. يعيد إدخال بياناته أكثر من مرة ليجدها كلها صحيحة ومحدّثة، ثم ينادي زوجته الواقفـة عند باب الخيمة لتتأكد معه من سلامة الطلب.
يقول وهو ينهي للتو تسجيلًا جديدًا لدى إحدى المؤسسات للحصول على مساعدة مالية: "كثير من معارفي يتلقون المساعدات أكثر من مرة، أما أنا فلم أستلم منذ أشهر أي طرد غذائي أو صحي. أسألهم كيف؟ يقولون لي: سجّل في كل الروابط. واصلت التسجيل، لكني لم أنل شيئًا".
وقصة نصار ليست حالة فردية، بل تعكس واقعًا أوسع يعيشه معظم سكان القطاع اليوم. ففي ظلّ الانهيار المعيشي وتآكل القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار وتردّي الأوضاع الاقتصادية، تشكّل المساعدات الإغاثية متنفسًا ضروريًا يخفف عن الناس قسوة الحياة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة والمصاريف المستحدثة، يجد المواطن نفسه داخل دائرة لا تُغلق، يتنقّل بين روابط التسجيل للحصول على "الكوبونات" على أمل أن ينال ما يعينه على المصروفات المتزايدة.
لكن المساعدات الإنسانية التي ينتظرها الناس لا تصل في أغلب الوقت. فارتفاع الأسعار بأكثر من 53% جعل حتى السلع الأساسية خارج متناول الكثيرين، فيما يعني وصول معدّل الفقر إلى 100% أن كل أسرة باتت بحاجة إلى دعم خارجي لتأمين قوتها اليومي. ويزيد هبوط القدرة الشرائية بنسبة تفوق 70%، إلى جانب بطالة تتجاوز 80%، من استحالة الاعتماد على أي دخل ثابت، ما يجعل الطرود حاجة لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصًا أن معظم الأسر باتت تعتمد عليها لتأمين الطعام.
ومع تزايد الحاجة، وتراجع عدالة التوزيع، واستمرار غياب منصة واضحة تنظّم آليات تسليم المساعدات، وسط شكاوى متكررة من سوء الإدارة وعدم وصول الدعم لمستحقيه، تتصاعد الأسئلة الأكثر إلحاحًا: أين تذهب المساعدات الإنسانية؟ لماذا يستلم البعض مساعدات أكثر من مرة بينما لا يحصل آخرون على شيء؟ من المسؤول عن الفوضى والازدواجية في ملف التوزيع؟
ويزيد من تعقيد المشهد اعتماد كثير من المؤسسات الدولية والمحلية قوائم منفصلة لا ترتبط بالسجل الاجتماعي الموحد، ما يجعل تتبع المستفيدين وضبط توزيع المساعدات مهمة شبه مستحيلة ويعمّق فجوات الوصول بين الأسر.
في نوفمبر 2024 تلقى نصار مبلغًا بقيمة ألف شيكل بعد تسجيله عبر الروابط، لكنه خلال عام كامل لم يتلقّ أي مساعدة سوى مرتين، حتى بعد وقف إطلاق النار. يضيف بصوت منهك: "هل هذا عدل؟ فقدتُ بيتي ومالي ولا أعمل. هل يُعقل ألا أحصل على مساعدة تخفّف عني هذا النزف المتواصل في المصاريف؟".
أمام طاولة بلاستيكية صغيرة يجلس خلفها شاب يرتدي نظارة ويعمل على تحديث بيانات المواطنين للمساعدات مقابل أجر بسيط، تقف إخلاص تيسير (42 عامًا) بانتظار دورها بعد أن سبقها عدد من الأشخاص.
وبعد نحو 15 دقيقة، تختصر مأساتها في بضع كلمات: "لا أستلم شيئًا، لا من وزارة التنمية ولا من أي مؤسسة إغاثية أخرى.. لماذا؟". يصمت الشاب لثوانٍ قبل أن يجيب: "كثيرون مثلك. لا عدل هنا في غزة". ثم يبدأ بفتح روابط التسجيل المختلفة، ويدخل بياناتها كاملة، من دون أن يضمن لها أن يصلها شيء.
تروي تيسير بمرارة: "تدمّر بيتي وصرفت كل مدخراتي خلال الحرب على أساسيات الطعام. عشتُ المجاعة. لم أكن أسأل عن مساعدات في البداية، لكن مع ضيق الحال ورؤيتي لمن حولي يستلمون طرودًا أكثر من مرة، بدأت أتساءل لماذا لا أحصل مثلهم. أردت ما يخفف العبء، لكن لم يصلني شيء رغم كل التسجيل".
وفي المقابل، كان منير عبد الله، وهو معيل لأسرة مكوّنة من ستة أفراد، يتلقى في أواخر 2024 وبداية 2025 مساعدات دورية بين طرود غذائية وصحية. لكنه اليوم لم يعد يحصل على أي طرد، ما يضاعف أعباءه، خاصة أنه مضطر لدفع إيجار الأرض التي ينصب فوقها خيمته، بينما لا يتجاوز راتبه ألف شيكل يذهب نصفها للإيجار.
يقول وهو يعدد المرات التي حصل فيها جاره على طرود متنوعة خلال ثلاثة أشهر: "لماذا يحدث هذا؟ ألسنا نحن أيضًا فقدنا بيوتنا ونحتاج لكل شيء مجددًا؟ مشكلتي ليست الطعام فقط، بل الأغطية وأدوات المطبخ وكثير من المستلزمات التي من المفترض أن توزعها وزارة التنمية والمؤسسات الأخرى".
الخمسيني أبو عاطف، بدوره، يشكو انعدام المساعدات وعدم قدرته على العمل. يعيش مؤقتًا في غرفة لدى أحد أقاربه إلى حين نصب خيمة خاصة به، ويقول إنه يسجل اسمه في كل رابط معلن، لكن من دون فائدة.
يضيف وهو يعدد محاولاته: "لم أتلقَّ أي مساعدة منذ أشهر من أي مؤسسة. وقبل ذلك كنت أتلقى بشكل محدود جدًا: أرز وعدس وبعض المعلبات فقط. بينما غيري يحصل على أجود الطرود، بين غذائية وصحية. اضطررت لشراء أغطية وفراش، بينما جاري الذي لم يتضرر منزله استلم الطرد الذي اشتريته".
يرفع وجهه المتعب ويتابع بأسئلة متلاحقة: "لماذا لا أتلقى مساعدات أسوة بغيري؟ يقولون إن المساعدات الداخلة محدودة ولا تغطي الجميع، لكن لماذا تتلقى نفس العائلة أكثر من طرد في الشهر؟ أين العدالة؟ من المسؤول؟ ولماذا لا تراعي الطرود أننا فقدنا بيوتنا ونحتاج لكل شيء لا للطعام فقط؟".
وبحسب ورقة بحثية أعدّها محمد بربخ، مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني، يحتاج قطاع غزة شهريًا إلى ما بين 14,500 و16,000 طن من الطحين، و3,700 طن من السكر، و3,330 طن من الأرز، و2,100 طن من الزيوت، و1,200 طن من البقوليات. لكن ما يدخل فعليًا عبر المعابر لا يقترب من هذه الكميات؛ إذ تشير البيانات إلى أن الاحتلال لا يسمح إلا بدخول نحو 25% من الاحتياج اليومي من الشاحنات، ما يعني وصول جزء محدود جدًا من المواد الأساسية مقارنة بحجم الطلب الفعلي.
وتشير تقديرات نشرها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في نوفمبر 2025 ضمن تقرير مُحدث عن الاستجابة الإنسانية في غزة إلى أنّ الكثير من العائلات لا تصلها المساعدات رغم تسجيلها في أكثر من جهة، وهو ما يتقاطع مع الشكاوى المتزايدة.
كما توصلت ورقة بحثية أعدها الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، بعنوان "مدى استجابة مؤسسات المجتمع المدني لمتطلبات العدالة في ملف المساعدات الإنسانية في ظلّ الحرب على قطاع غزة"، إلى ضرورة إنشاء جسم موحد يضمّ كل المؤسسات والمنظمات تحت مظلة واحدة تضمن التنسيق، وتوحيد القوائم، ومنع الازدواجية، وتأكيد عدالة التوزيع.
وأمام تعدد الشكاوى واتساع فجوة التوزيع، توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في رام الله، رجاء العابد، باعتبار الوزارة الجهة المسؤولة عن تنظيم وتوزيع المساعدات.
تفسّر العابد أن الإشكاليات في عدم وصول المساعدات لا تعود لسبب واحد، بل لمجموعة عوامل متراكبة: النزوح المتكرر الذي يخلق فجوة بين مكان الإقامة الفعلي والمثبت في الاستمارة؛ إدخال المواطنين بيانات غير مكتملة؛ محدودية المساعدات التي يسمح الاحتلال بدخولها؛ وتعدد الجهات المانحة وعدم استخدام جميعها للسجل الاجتماعي الوطني. وتُفضي هذه العوامل معًا إلى تعطّل المساعدة في أكثر من نقطة.
وتوضح أن الوزارة تشارك بياناتها بشكل منظم مع الشركاء الأمميين والمحليين لمنع الازدواجية، ورغم جاهزية القوائم وتحديثها المستمر، تبقى الفجوة واضحة بين عدد المسجلين وبين حجم المساعدات المتاحة، ما يفسّر عدم وصول الإغاثة إلى آلاف الأسر المستوفية للشروط والمسجلة رسميًا. وعن شكاوى المواطنين حول ضعف جودة الطرود وقلة تنوعها، تقول إن ذلك مرتبط بواقع الميدان وقيود الاحتلال على إدخال المواد، ما ينعكس على محتوى الطرود.
وتكشف العابد أن الوزارة استقبلت أكثر من 824 شكوى من محافظات غزة، تم قبول 815 منها ومعالجتها حسب النظام، وكانت أغلب الشكاوى تتعلق بالمساعدات النقدية، فيما بلغ عدد المسجلين في استمارة التنمية الاجتماعية أكثر من 184,900 مواطن.
وعن حلول الشكاوى المتزايدة بشأن عدم الاستفادة من مساعدات التنمية الاجتماعية وشركائها من اليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي وUNDP ومؤسسات محلية أخرى، تشير العابد إلى أن حجم الأزمة وتعدد مصادر الإغاثة يجعلان التفاوت واقعًا قائمًا وليس نتيجة تمييز مقصود.
ورغم أن العابد أوضحت جملة من الأسباب التي قد تعيق وصول المساعدات إلى مستحقيها، من بينها النزوح المتكرر، ونقص البيانات، ومحدودية المساعدات المتاحة، وتعدد الجهات التي لا تعتمد السجل الاجتماعي الموحد، فإنّ هذه الإجابات تبقى غير كافية لتقديم توضيح مباشر لسبب استفادة بعض الأسر أكثر من مرة مقابل عدم حصول أسر أخرى على أي مساعدة.
واكتفت العابد بالقول إن "حجم الأزمة وتعدد مصادر الإغاثة يجعل ظهور تفاوت بين الأسر أمرًا واقعًا وليس ناتجًا عن تمييز مقصود"، وهو تفسير يعكس حجم التعقيد في المشهد الإغاثي، لكنه لا يلغي الأسئلة التي يطرحها المواطنون حول تفاوت فرص الحصول على المساعدة وإنصاف آليات التوزيع.
ورغم حديث الوزارة عن توحيد القوائم، يشير عاملون في الملف الإغاثي إلى أن السجل الاجتماعي الوطني لا يُستخدم إلا جزئيًا من قبل عدد محدود من الجهات، بينما تعتمد مؤسسات دولية ومحلية أخرى قوائم مستقلة، ما يفاقم التكرار ويترك آلاف الأسر خارج نطاق الاستجابة.
وفي قراءة قانونية لواقع الفوضى والازدواجية في توزيع المساعدات، يوضح المحامي حمّاد اضهير إن الجهات المسؤولة عن التوزيع يجب أن تلتزم بنص المادة التاسعة من القانون الأساسي المعدل، التي تنص على أن الفلسطينيين أمام القانون سواء، ولا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة. وبناء عليه، فإن أي شكل من أشكال التمييز، مهما كان مصدره أو شكله، مخالف للقانون.
في غزة، تُظهر الشهادات والواقع خللًا بنيويًا يتجاوز محدودية المساعدات إلى غياب منظومة إدارة عادلة؛ فاستمرار التكرار في التوزيع، وتعدد القوائم، وتشتت الجهات العاملة، يرسخ حالة من الفوضى، ويفقد المواطنين ثقتهم بمؤسسات الإغاثة، ويعمّق شعورًا عامًا بانعدام العدالة.
وتكشف الشهادات كذلك أن الفجوة لا تتوزع بالتساوي؛ فالأسر الصغيرة، والنساء المعيلات، وذوو الإعاقة، يبدون أكثر عرضة للتهميش في منظومة لا تراعي اختلاف احتياجات الفئات الأكثر هشاشة.
وضمان وصول المساعدات لمستحقيها يتطلب تنسيقًا فعّالًا بين الأطراف كافة، واعتماد آليات شفافة للمساءلة والرقابة. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الفوضى تحكم مسار المساعدات، وستظلّ الأسر الأكثر هشاشة تتحمل كلفة هذا الخلل يوميًا.


