في آخر الليل، حين يهدأ ضجيج المخيم ويخفت صوت المولّد، تجلس هناء (34 عامًا) في زاوية خيمتها غرب مدينة غزة، تحدّق في شاشة هاتفها المضيئة بفتور، كأنها تبحث في انعكاسها عن ملامح لم تعد تعرفها. ترفع الهاتف لتسجيل رسالة صوتية لصديقة بعيدة، ثم تتراجع، تلتقط أنفاسها وتمسح دمعة عالقة، قبل أن تهمس: "مش عارفة كيف صرت هيك… ولا شو ضلّ مني بعد الحرب".
منذ أشهر، تعيش هناء في إيقاع يومي تفرضه الواجبات، تتنقّل بين الخيمة ومتطلبات الآخرين، بينما تتقلّص المساحة التي كانت تخصّها. لم تعد تسأل عمّا تريد، بل عمّا يُنتظر منها، لتبقى هي مؤجَّلة، بلا وقت للتفكير أو حتى الاعتراف بتعبها.
لا تعكس لحظة هناء حزنًا عابرًا، بل تصدّعًا أعمق في صورة الذات؛ إذ لم تدمّر الحرب البيوت فحسب، بل أعادت تشكيل علاقة النساء العازبات بأنفسهن، تاركة إيّاهن في مساحة رمادية تفتقر للاعتراف بخسارتهن النفسية وبحقهن في البوح والعناية.
دفع النزاع أكثر من 1.9 مليون شخص في غزة إلى النزوح، ودمّر أو أضرّ بما يقارب 80% من الوحدات السكنية، بحسب تقارير أممية، ما ترك آلاف النساء العازبات دون بيت ثابت أو شبكة دعم، في واقع يضيّق المساحات المادية والنفسية التي يمكن للمرأة أن ترى فيها نفسها.
في هذه التفاصيل الصغيرة، يظهر شكل خفيّ من الخسارة؛ خسارة لا تُقاس بالركام، بل بقدرة المرأة على رؤية ذاتها. بالنسبة لنساء كثيرات يعشن كعازبات في قطاع غزة، جاءت الحرب لا لتسلبهن البيت أو العمل فحسب، بل لتقضم أيضًا المساحة الضئيلة التي كنّ يخصّصنها لأنفسهن: مساحة التفكير، والاختيار، وحتى الانهيار.
قبل الحرب، كانت هناء ترى نفسها امرأة مستقلة، تعمل، تدير شؤونها، وتخطط لعيش وحدها قريبًا. اليوم تقول إنها بالكادّ تتذكّر شكل حياتها السابقة.
تقول: "صرت أحس إني مهمّشة… مش بس من المجتمع، حتى من نفسي. في مليون شيء لازم أعمله للناس، وأنا آخر القائمة".
تتكرر الجملة ذاتها في شهادات كثيرات: "أنا آخر أولوياتي." فالمرأة العازبة، التي لم تكن أصلًا مركز اهتمام اجتماعي، أصبحت اليوم في ذيل منظومة الاستجابة الإنسانية داخل العائلة والمخيم.
ويأتي هذا التراجع في ظلّ منظومة حماية اجتماعية مثقلة أصلًا؛ إذ تنتظر أكثر من 120 ألف أسرة على قوائم برنامج التحويلات النقدية في غزة، ولم تُصرف سوى دفعة واحدة خلال عامي 2023–2024، ما يجعل الفئات الأقل ظهورًا، مثل النساء العازبات، آخر من يصل إليهن أي دعم.
الجميع منهك، الجميع فقد شيئًا، والجميع يحتاج الدعم؛ لكنها، لسبب لا تستطيع تسميته، تشعر أنّها الأقل استحقاقًا للبوح أو الشكوى. في وسط هذا الإرهاق العام، تتردّد النساء كثيرًا قبل الاعتراف بتعبهن. تضحك سمر (29 عامًا) ساخرة وتقول: "لما بفكر أحكي إني تعبانة، بصحى ضميري. في ناس فقدت أولاد. في ناس بلا رجل. بحسّي إني ما إلي حق أتعب."
هذا الصمت لا يأتي فقط من المقارنة المؤلمة مع خسارات الآخرين، بل من إدراك راسخ بأن المجتمع يرسم حدودًا لما يحق للمرأة العازبة أن تشعر به، أو تطلبه، أو تحتاجه.
تصف أخصائية الصحة النفسية فلسطين ياسين هذا النمط بأنّه "صدمة نفسية معطّلة" حالة تبدو فيها المرأة متماسكة من الخارج، بينما تتآكل من الداخل لأنها غير قادرة على الاعتراف بخسارتها أو حاجتها للدعم.
تقول ياسين: "جزء كبير من النساء العازبات يشعرن أنهن في امتحان دائم للصمود. إن بكين، يقلن لأنفسهن: هناك من هو أكثر ألمًا. وإن اعترفن بالضعف، يخشين الحكم الاجتماعي."
وتضيف أنّ غياب بيئة آمنة للبوح، سواء داخل العائلة أو في ظل حرب ممتدة ونزوح متكرر وانهيار للخدمات الأساسية، يدفع كثيرات إلى عزلة نفسية صامتة لا يلاحظها أحد.
تقول رنيم (31 عامًا): "كنت أتمنى أروح لجلسة دعم نفسي… بس لما فكرت بالموضوع ضحكت. مين بدي أقوله؟ مين عنده وقت يسمعني؟"
بين الواجبات اليومية والمخاوف الأمنية وازدحام الخيام، تُنتزع اللحظات التي كان يمكن أن تكون لها. حتى البكاء، ذلك الفعل البشري البسيط، أصبح يحتاج ترتيبًا مسبقًا.
ويتقاطع هذا الضيق النفسي مع واقع اقتصادي خانق؛ فالبطالة بين النساء في غزة ارتفعت إلى أكثر من 90%، بينما وصلت معدلات الفقر 100%، ما يجعل طلب الدعم النفسي رفاهية لا يمكن لمعظمهنّ تحمّلها، في ظل غياب أي مخصص ثابت أو منتظم.
عند سؤال النساء عن "الحياة المستقلة"، تتوزع الإجابات على اتجاهين متناقضين، الأول نساء تراجعت أحلامهن. مثل مها (36 عامًا)، التي كانت تبحث عن شقّة قبل الحرب، تروي: "كنت أحلم بباب إلي… غرفتي إلي… يومي إلي. اليوم لو بس ألاقي ركن أقدر أكون فيه وحدي نص ساعة بحسّها نعمة."
الاستقلال لم يعد مشروعًا، بل ذكرى بعيدة. تضيف: "الحرب أخذت المساحة التي يمكن للمرأة أن تكون فيها نفسها." ومع تضرّر أكثر من 330,500 ألف وحدة سكنية حتى نهاية 2025، تقلّصت المساحات الخاصة إلى حدّ جعل "الركن الصغير" الذي تبحث عنه مها حلمًا يوميًا يصعب العثور عليه.
أما الاتجاه الآخر فهو نساء تشبّثن بالاستقلال أكثر من قبل. ففي المقابل، ترى نسرين (28 عامًا) أن الحرب جعلتها أكثر إصرارًا: "حين فقدتُ البيت، أدركت هشاشة الحياة. فلماذا أعيش وفق توقّعات الآخرين؟ إن نجوت من الحرب، أريد أن أعيش بطريقتي".
داخل النص أم خارجه؟
وسط السرديات الكبرى عن الأرامل والأمهات والنساء المعيلات، تكاد تختفي فئة كاملة: النساء العازبات اللواتي لا يمتلكن "قصة جاهزة" تستدعي التعاطف، ولا تصنيفًا رسميًا يسمح برؤيتهن كفئة مستقلة.
تقول ليلى (33 عامًا): "بحسّ إني خارج النص. لا أحد يسأل عني، ولا أحد يعتبرني جزءًا من الحكاية. كل الخطاب عن النساء موجّه لفئات ثانية."
ويعكس ذلك فراغًا واضحًا في السياسات؛ فلا يوجد أي إحصاء رسمي حديث يحدّد عدد النساء العازبات فاقدات المعيل في غزة، ما يجعل احتياجاتهن غير مرئية في الخطط الإغاثية. لكنّ بيانات الدراسات السابقة تشير إلى أن نحو 12 % من الأسر التي تعيلها نساء في فلسطين تقودها نساء غير متزوجات.
وجودهنّ باهت في الصورة الذهنية العامة عن النساء المتضررات: لسن أمهات، ولا أرامل، ولا ربّات أسر، ولا "حالات اجتماعية" وفق القوالب الرسمية. إنهن نساء يعشن في مناطق لا تصلها اللغة الرسمية ولا التعاطف العام؛ مساحات رمادية تُبتلع فيها أصواتهن.
وحين يُطرح السؤال: "كيف ترين نفسك اليوم؟" تأتي الإجابات مترددة، لكنها تحمل لحظات كشف صادقة. تقول سمر: "لست قوية… لكنني أحاول. وأحتاج من يقول لي: مسموح أن تتعبي." بينما تقول نسرين: "صرتُ أعرف قيمة نفسي. ما نجوتُ منه يجعلني أعيد بناء حياتي بطريقة مختلفة." فيما تردف هناء: "لست رهينة الحرب ولا رهينة المجتمع… لكنني ما زلت أبحث عن مكاني."
هذه الأصوات، رغم اختلافها، تسعى إلى إعادة تعريف الذات خارج الصورة التي صُنعت لها، سواء من المجتمع أو الحرب نفسها.
وتشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من57 ألف أسرة في غزة باتت اليوم برئاسة نساء، وإذا طُبّقت النسبة الخاصة بالأسر التي تقودها نساء غير متزوجات، فإن عدد العازبات اللواتي يتحمّلن الإعالة وحدهن قد يتراوح بين5000 و7000 امرأة. ورغم ذلك، ما تزال هذه الفئة بلا تعريف إداري واضح يضمن لها حق الوصول إلى الدعم.
في نهاية المقابلة، تسأل هناء: "هل في مكان نحكي فيه بصراحة… بدون ما حد يحكم؟" ثم تبتسم بحزن قبل أن تضيف:
"أنا بدي أرجع أعرف مين أنا. مش مين لازم أكون."
ربما هنا يكمن جوهر الرحلة كلها. ليست الحرب وحدها التي غيّرت النساء، بل محاولتهن المستمرة لاستعادة أنفسهن من بين الخسارات.
في ظلال هذا الخراب الطويل، تحاول المرأة العازبة في غزة أن تكتب تعريفًا جديدًا لذاتها — تعريفًا لا يبدأ بـ"بدون زوج"، ولا ينتهي بـ "قوية رغمًا عنها"، بل يبدأ بها… كامرأة تستحق أن تُرى وتُسمع وتُحب وتستريح، ثم تعيد بناء ذاتها بالطريقة التي تختارها.


