عربات "الجار والمجرور": حلّ مؤقت تحول إلى خطر دائم

عربات "الجار والمجرور": حلّ مؤقت تحول إلى خطر دائم

على الطريق الممتدّ من مخيم النصيرات إلى مدينة دير البلح وسط القطاع، تجلس أمل عبد العال (40 عامًا) داخل عربة خشبية تُجرّ بسيارة مسرعة. تحتضن رضيعها بقوة، لا بدافع الحنان وحده، بل خوفًا من أن يقذفه اهتزاز الطريق خارج ذراعيها.

ومع كل مطبّ، ترتفع العربة فجأة بمن فيها، ويعلو صوت الرجل الجالس إلى جوارها مطالبًا السائق بتخفيف السرعة حفاظًا على حياتهم. لا تمنحها الحركة العنيفة فرصة لتهدئة طفلها، ولا حتى لتثبيت جسده الصغير بين ذراعيها.

تسلك عبد العال هذا الطريق مرة واحدة على الأقل كل أسبوع، لزيارة عائلتها في النصيرات. لكن الرحلة، التي كانت يومًا اعتيادية، تحوّلت إلى عبء نفسي ثقيل.

تقول: "أحسب ألف حساب للطريق. إن اعترضت على ركوب العربة وانتظرت سيارة، قد يطول الانتظار. وأنا معي رضيع وطفلان أيضًا لا أضمن سلامتهم في الشارع العمومي فأضطر مرغمة للقبول بأيّة وسيلة مواصلات متاحة".

تضيف وهي تُوصي طفليها بالتمسك جيدًا بأطراف العربة الخشبية: "أكره هذه العربة. أصبت بعقدة نفسية منها. بعدما وقع طفلي على وجهه أثناء النزول منها، لا أنسى مشهد الدم وهو ينزل من شفتيه. منذ ذلك اليوم، بمجرد جلوسي عليها أشعر بتوترٍ شديد. وأبقى قرابة ساعة على هذا الحال حتى أنزل بسلام".

في غزة، لم تعد عربات "الجارّ والمجرور" استثناءً عابرًا. فبعد تدمير جزء كبير من أسطول المركبات جرّاء الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر 2023، لجأ سائقون إلى تركيب عربات خشبية أو حديدية، مغلقة أحيانًا ومفتوحة في معظم الأحيان، تُجرّ خلف مركباتهم بوصفها حلًا اضطراريًا للتنقّل اليومي، رغم افتقارها إلى الحد الأدنى من معايير السلامة.

ولا يقتصر استخدام هذه العربات على الشوارع الفرعية، إذ تعمل أعداد كبيرة منها على الطريقين الرئيسيين في القطاع، شارع صلاح الدين وشارع الرشيد الساحلي، اللذين يمتدان لمسافات طويلة تربط شمال غزة بجنوبها. 

وتمتد الرحلات على مسافات تُقدَّر بنحو 45 كيلومترًا على شارع صلاح الدين ونحو 40 كيلومترًا على شارع الرشيد، في ظروف تتسم بسرعة السير وكثافة الحركة وتهالك الطرق، ما يحوّل هذه الوسائل غير المجهزة إلى مصدر خطر متزايد، يتفاقم مع التعرض المستمر للعوامل الجوية ومياه الصرف الصحي ومياه الأمطار، في مشاهد تمس الكرامة الإنسانية.

ولا تنفصل هذه المخاطر اليومية عن مشهد أوسع من السلامة المرورية المتدهورة في فلسطين عمومًا. ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، لا تزال حوادث السير تمثّل تهديدًا ملموسًا للسلامة العامة. ففي عام 2024، سُجّل في فلسطين نحو 15,094 حادث سير، أسفرت عن آلاف الإصابات بدرجات متفاوتة، بحسب الإحصاءات الرسمية الصادرة بصورة مجمّعة للضفة الغربية وقطاع غزة. 

وفي تصريحٍ لها أشارت الشرطة الفلسطينية إلى تسجيل آلاف حوادث السير خلال الفترة الأخيرة، تورّطت في عدد منها مركبات غير قانونية أو غير مستوفية لشروط السلامة، ما أسفر عن عشرات الوفيات وآلاف الإصابات. ورغم عدم توفر تفصيل جغرافي دقيق لهذه الأرقام، فإنها تكتسب دلالة خاصة في سياق غزة، حيث تُستخدم وسائل نقل بديلة وغير منظمة على طرق متضررة وبلا رقابة فعلية.

وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، بلغت خسائر قطاع النقل والمواصلات في غزة نحو ثلاث مليارات دولار، فيما تُظهر صور الأقمار الصناعية عبر برنامج UNOSAT تضرر نحو 1500 كيلومتر من شبكة الطرق، أي ما يعادل 77% من مجملها، إلى جانب تضرر أكثر من 55 ألف مركبة، ما يقارب 60% من أسطول المركبات. ووفق إحصاء أممي صدر عام 2025، ارتفعت نسبة الأضرار في شبكة الطرق لتصل إلى نحو أربعة أخماس الشبكة.

في المقابل، يرى مختصون أنّ هذه الأرقام، على ضخامتها، لا تُترجم إلى دمارٍ بنيويّ فحسب، بل إلى واقعٍ يوميّ يُجبر الناس على استخدام وسائل نقل غير آمنة، في ظلّ غياب بدائل منظّمة أو رقابة فعلية.

على مقعد حديدي داخل عربة مغلقة ببلاستيك مقوّى، يجلس عاطف سعد (60 عامًا)، ممسكًا بقضيب معدني رفيع إلى جانبه. ينزلق جسده مع كل حركة مفاجئة، خصوصًا حين تزيد سرعة السائق.

يقول: "غالبًا تكون السيارة ممتلئة بالركاب والعربة المتصلة بها فارغة أو فيها شاغر، فأضطر للركوب. لا رفاهية للانتظار. أفضل العربات المغلقة، ولا أركب الكارة التي يجرها حيوان، منذ أن تبللت مرة بمياه الصرف الصحي وأنا جالس عليها. منذ ذلك اليوم لم أفكر أن أركبها ثانية".

تجربة مشابهة دفعت عطاف سلامة (58 عامًا)، التي تعاني إصابة في ركبتها وتسير على عكاز، إلى تجنب الخروج قدر الإمكان. تقول إن ركوبها سواء على "العَجَلّة" أو "الكارة" بات شبه مستحيل في ظلّ آلام العظام التي تعانيها.

تستعيد تجربة واحدة اضطرت فيها للركوب بعد حلول الليل وتأخر الوقت، مع انعدام السيارات. طلبت من السائق تخفيف السرعة حتى لا تتأرجح كثيرًا، لكنّه لم يستجب. تروي: "كنت أنزلق عن المقعد مع كل مطب. بقيت أعاني من آلام في ظهري ليومين. جسدي كان متجمدًا من خوفي أن أقع، فكان ألمي مضاعفًا. قررت بعدها ألا أكررها، حتى لو اضطررت للمشي".

على الطريق من النصيرات إلى الزوايدة وسط القطاع، تضع إسلام خليل (28 عامًا) يدها على بطنها بقلقٍ واضح. تجلس على طرف عربة حديدية تقفز مع كل حركة مباغتة، في رحلةٍ تمتد قرابة ساعة.

تقول بصوتٍ مرتجف وسط اهتزاز العربة: "أخاف جدًا على جنيني. عادة أرفض ركوب العَجَلّة، لكن شحّ السيارات اليوم أجبرني. لا مشكلة لدي في الانتظار دقائق طويلة تحت الشمس أو المطر لأركب سيارة تضمن سلامتي قليلا لأنّ هذه العربات أسوأ ما أنتجته الحرب".

ولا تتوقف مخاوفها عند حدود الرحلة، بل تمتد إلى تساؤلات أكبر: "لماذا تسمح وزارة النقل والمواصلات للسيارات بجرّ العربات؟ أين الرقابة على السائقين؟ متى تنتهي هذه الظاهرة ونعود لركوب سيارات بشكل طبيعي وبكرامتنا؟".

للإجابة عن هذه التساؤلات، توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات في غزة، أنيس عرفات، الذي أشار إلى أنّ ظاهرة جرّ المركبات لعربات خارجية "وليدة الحرب".

وأقرّ عرفات بأنّ هذا السلوك الذي يتضمن تركيب عربات تجرها مركبات هو ممنوع قانونيًا، لكنه برر سماحهم باستمرار ذلك بقوله: "القانون يمنع هذا الأمر، لكننا لا نطبقه لأننا نراها تُخفِف عن المواطن في ظلّ شحّ المركبات، التي دُمّر منها نحو 70%. ونحن نتيجة لظروف الحرب الأمنية، لم نقم بمراقبة عمل السائقين، لكن قريبًا سيتم مراجعتهم فيما يخص حمولة الركاب لتخفيفها".

غير أنّ هذه التصريحات، رغم إقرارها بعدم قانونية الظاهرة، لا تتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا لإنهائها، ولا آلية رقابة محددة تقلّل من مخاطرها الحالية، ولا مطالب لإدخال مركبات جديدة؛ ما يترك حياة الركاب معلّقة بين الاعتراف بالمشكلة واستمرارها.

من الناحية القانونية، تُعد المركبات التي تجر عربات خلفها مخالفة صريحة لقانون المرور الفلسطيني. ويوضح المحامي حماد اضهير أنّ قانون المرور رقم (5) لعام 2000 وقرار مجلس الوزراء رقم (393) لعام 2005 باللائحة التنفيذية لقانون المرور، يرفضان وجود أي أجزاء إضافية في المركبة، كما ورد تفصيلًا في الباب الثالث المتعلّق بالمتانة والأمن.

لكن اضهير يلفت إلى أنّ الواقع الراهن في قطاع غزة، حيث تفتقد السلطة الفعلية إلى مقرّات مؤسسية، وتغيب سلطة الترخيص وشرطة المرور، إلى جانب ظروف الحرب التي أودَّت بأعدادٍ ضخمة من المركبات، أنتج ظاهرة مركبات "الجارّ والمجرور" كحلّ بدائي، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة على السلامة العامة ومخالفة واضحة للقانون.

في غزة، لم تعد مركبات "الجارّ والمجرور" مجرد انعكاس للفقر أو الدمار، بل تحوّلت إلى مؤشر على فراغ تنظيمي يُدار بالصمت. وبين اعتراف رسمي بعدم قانونيتها، واستمرار استخدامها يوميًا دون ضوابط واضحة، يُجبر المواطنون على دفع ثمن مضاعف: مادي ونفسي.

وهكذا تتحول رحلة النقل اليومية من ضرورة حياتية إلى معاناة تُثقل الجسد وتُهين الكرامة، في ظلّ غياب بدائل نقل لائقة وتراجع الرقابة، بينما يبقى السؤال معلقًا: مَن يتحمّل مسؤولية الخطر حين يصبح الحلّ المؤقت هو القاعدة؟