الاستيراد القسري: كيف أطاحت الحرب باكتفاء غزة الغذائي

الاستيراد القسري: كيف أطاحت الحرب باكتفاء غزة الغذائي

يجلس زياد أبو حليمة على كرسي حديدي ركيك، في نقطة تتقاطع فيها الطرق أمام جامعة الأقصى بخانيونس جنوب القطاع، وأمامه طاولة خشبية كبيرة رُصّت فوقها حبات خيار وبصل وفلفل أخضر. يلتقط واحدة منها، يضغطها بأصابعه كما لو كان يختبر صلابتها، ثم يعيدها إلى مكانها. لا يساوم الزبائن كثيرًا، ولا يرفع صوته. يبيع الخضار بهدوء يُشبه أداء واجب لا يرغب فيه.

قبل عامين فقط، كانت يداه نفسهما تغوصان في تربة بيت لاهيا شمال قطاع غزة. هناك، كان يملك تسع دونمات زراعية، يعتني بها كما يعتني بأبنائه. أنفق عليها آلاف الدولارات، وانتظر مواسمها بصبر. 

وقبيل اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، كان يستعد لتصدير نحو 330 طنًا من القرع إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى 85 طنًا من البصل. كانت تلك الحقول، كما يقول، "تردّ له تعبه كرامة".

اليوم، وهو يعيل نحو أربعين فردًا من أسرته الممتدة، يقول بصوت متعب: "فقدت حصيلة العمر كله. عشت أزرع وأقتات مما أزرع. لم أتخيل يومًا أن يُمحى كل ذلك، وأن أُمنع حتى من الوصول إليه".

يضيف وهو يبيع أحد الزبائن كيلوغرامًا من الخيار: "هذه الحبة تذكرني بأول عشرة كيلوغرامات قطفتها من أرضي مع بداية الموسم. كانت الأولى والأخيرة. اليوم أستدين ثمن الخضار من التجار، وأسدد بعد البيع. وما يوجعني أنها مستوردة، ليست من أرضنا".

ما عاشه هذا المزارع لا يُختصر في قصة شخصية، بل يتكرر بآلاف التجارب المشابهة في شمال قطاع غزة، حيث لم تُمحَ الحقول دفعة واحدة، بل تلاشت تدريجيًا تحت القصف والتجريف ومنع الوصول. في بيت لاهيا وبيت حانون وشرق جباليا، تحولت مساحات واسعة كانت تُعرف بسلال الخضار إلى أراضٍ صامتة، بعدما دمّر الجيش الإسرائيلي نحو 35 ألف دونم من الأراضي الزراعية، وفق تقديرات محلية.

ومع اختفاء الحقول، اختفى معها النمط اليومي للأسواق. ما كان يُقطف فجرًا ويُباع صباحًا، بات يُنتظر عند المعابر. لم يتبقَّ اليوم سوى أقل من 5% من الأراضي الصالحة للزراعة من المساحات السابقة، بعد تضرر أكثر من 80% من الأراضي الزراعية. قطاع كان يكتفي بإنتاجه المحلي تحول اليوم قسرًا إلى مستهلك شبه كامل لما يُسمح بإدخاله.

قبل النزاع، كانت الزراعة تشغل نحو 41% من مساحة غزة، وتؤمّن مصدر عيش لآلاف العائلات، ضمن دورة اقتصادية تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند السوق. هذه الدورة انقطعت. ومع الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، لا تُقاس الخسارة اليوم بالمحاصيل وحدها، بل بالزمن والعمالة والدخل.

تقدّر الخسائر اليومية للقطاع بأكثر من 106 ملايين دولار، فيما تجاوز إجمالي الضرر 180 مليون دولار منذ أكتوبر 2023، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وهي أرقام تعكس، في جوهرها، تفكك نظام حياة لا مجرد تراجع قطاع اقتصادي.

منير حمدونة كان واحدًا ممن شكّلت الأرض رأس مالهم الوحيد. امتلك ثلاث قطع زراعية، مساحة كل واحدة منها 14 دونمًا. بدأ بزراعة الخضروات والفواكه، ثم طوّر عمله بزراعة التوت البري، وصمّم جلسة هادئة للزوار بين الحقول.

يقول وهو يستعيد أسماء المحاصيل واحدًا تلو الآخر: "لم تكن الزراعة عملًا أعيش منه فقط، كانت امتدادًا لحياتي. لكن اليوم أنا بعيد عن مدينتي، وأرى الحقول في مناماتي".

حاول حمدونة، مثل كثيرين، الزراعة بجوار الخيمة التي يسكنها. زرع في أوعية صغيرة، وانتظر. لكن المياه المالحة، غير الصالحة لأي استخدام زراعي، قضت على المحاولات تباعًا. فتوقف بعد عامين من التجارب الفاشلة. يشرح: "ليس لأنني لم أعد أحب الزراعة؛ بل لأن الأرض نفسها لم تعد قادرة على الاحتمال".

غياب الإنتاج المحلي لم يترك فراغًا غذائيًا فقط، وانما فتح الباب أمام نظام استيراد جديد، أكثر تعقيدًا وأشدّ إحكامًا. لم يعد الغذاء يدخل القطاع ضمن آليات العرض والطلب، بل ضمن منظومة تحكم تتحكم بالكميات والمسارات والأسعار.

مدير الغرفة التجارية في غزة، عائد أبو رمضان، يقول إن الاحتلال الإسرائيلي فرض خلال الحرب نظامًا احتكاريًا حصر إدخال المواد الغذائية بعدد محدود من التجار الفلسطينيين، الذين يُختارون وفق معايير تضعها إسرائيل.

يردف: "الأسبوع الماضي، أُضيف شرط جديد يقضي بأن يكون الاستيراد من موردين إسرائيليين محددين، عددهم أربع أو خمس شركات فقط".

قبل الحرب، كانت هناك حصة حقلية من المنتجات الزراعية الإسرائيلية تُخصص لغزة بأسعار أقلّ من السوق. أما حاليًا، أُلغيت هذه الحصة، وأصبح التاجر الفلسطيني يُجبر على الشراء من سوق الجملة الإسرائيلي بأسعار أعلى. 

يتابع أبو رمضان: "أحيانًا، تتعطلّ الشاحنات عند المعابر لساعات أو أيام، فتتلف الخضروات. الخسارة لا يتحملها المورد الإسرائيلي، بل التاجر المحلي، الذي يعوضها برفع أسعار الشحنات التالية".

تاجر صغير، طلب عدم ذكر اسمه، قال إن السوق لم يعد سوقًا بالمعنى المعروف. قال: "هو بوابة، ومن يملك المفتاح يُحدِّد السعر".

المتحدث باسم وزارة الزراعة محمد أبو عودة يقدّم صورة مكثفة لما آلت إليه الزراعة في غزة. يقول إن الحرب دفعت نحو 55  ألف مزارع خارج دورة العمل، ولم يتبقَّ في الحقول سوى نحو ألفي مزارع فقط، بإنتاج لا يتجاوز 8 آلاف طن من الخضروات، وهي كمية لا تكفي لسدّ جزء محدود من احتياجات السوق.

لم تكن غزة تعاني نقصًا في الغذاء من قبل؛ بل حققت اكتفاءً ذاتيًا تجاوز 115%. أمّا اليوم وبفعل الحرب، فقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، مع عجز يقترب من 90%. وبحسب حسابات أجرتها آخر قصة استنادًا إلى مقارنة الفائض السابق بالعجز القائم، فإنّ هذا التحول يتجاوز 200% في ميزان الاكتفاء الغذائي. وهو لا يعكس تراجع قطاع بعينه، بقدر ما يكشف انهيار منظومة كانت تؤمّن الغذاء والعمل والاستقرار لعشرات آلاف العائلات.

وأكّد أبو عودة أن أي حديث عن إنعاش الزراعة مرهون بسماح الاحتلال الإسرائيلي بإدخال البذور، والأسمدة، والمعدات الزراعية. لكنه، في الوقت نفسه، أشار إلى دورهم في توجيه التجار خلال الاستيراد، وفق ما يسميه احتياجات السوق. ذلك السوق الذي لم يعد فيه للمزارع المحلي دور يُذكر.

من زاوية أوسع، يرى المختص الاقتصادي سمير أبو مدللة أن ما يجري يتجاوز آثار الحرب المباشرة. ويقول: "نحن أمام حرب اقتصادية وغذائية، تفكيك الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد يخدم الاحتلال أولًا، ويخدم فئة محدودة من التجار الذين ضاعفوا أرباحهم على حساب المجتمع".

هذا التحول، بحسب أبو مدللة، يُخلّ بالميزان التجاري، ويحوّل قطاع غزة إلى اقتصاد استهلاكي مثقل بالديون، حيث تتجاوز الواردات الصادرات بأضعاف. ومع فقدان المدخرات ومصادر الدخل، ترتفع نسبة الاعتماد على المساعدات الإغاثية إلى أكثر من 80%، فيما يبرز خلال الحرب رأس مال جديد، وتظهر طبقة من الأثرياء الجدد.

محاولات إعادة إحياء الزراعة لا تزال قائمة، لكنّها محدودة. المهندس الزراعي مصطفى الفيومي يصفها بأنّها "محاولات للبقاء أكثر منها خططًا للإنتاج". 

يقول: "يمكن الزراعة على الأسطح، في أوعية صغيرة، باستخدام ما توفر من تربة ومياه، هذه الجهود لا تعيد التشجير، لكنها تمنح الناس سببًا ليستيقظوا صباحًا".

يقترح الفيومي إعادة استخدام مياه الوضوء أو الغسيل، بحذرٍ شديد، لريّ النباتات الصغيرة. وهي حلول تبدو في سياق الدمار الواسع، أقرب إلى مقاومة صامتة منها إلى استراتيجية.

من الناحية القانونية، لا يُعد تدمير الأراضي الزراعية مجرد خسارة اقتصادية. تقرير صادر عن المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (2024) يصنّف ما جرى على أنه جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي. ويشير المحامي رامي محسن إلى أن المادة (54) من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف تجرّم تدمير مصادر الغذاء.

يردف محسن: " حين تُجرف الأرض، لا تُجرف محاصيل فقط، بل يُجرف معها حق الناس في الغذاء، وحقهم في البقاء. فالأرض ليست ملكية خاصة فحسب، بل شرط حياة، وتدميرها يعني دفع السكان إلى الاعتماد القسري على المساعدات، وحرمانهم من أبسط مقومات الاستقلال".

في السوق الارتجالي أمام بوابة جامعة الأقصى، يطوي البائع زياد أبو حليمة بسطته مع اقتراب المساء. ما تبقى من الخضار أقلّ مما جاء به صباحًا. لا يحسب الربح بدقة. المهم أن يسدد ما عليه. يقول: "الأرض كانت تجعلنا أحرارًا، اليوم ننتظر ما يُسمح لنا بأكله".

ما خسرته غزة لا يقتصر على محاصيل غابت عن الأسواق، بل على قدرة مجتمع كامل على إعالة نفسه. وحين تُجتثّ الزراعة، لا تُجتثّ الأرض وحدها، بل تُقتلع معها فكرة الاكتفاء والكرامة.