كيف تصنع النفايات مناخا قاتلا في غزة؟

تسمم الهواء والتربة

كيف تصنع النفايات مناخا قاتلا في غزة؟
كيف تصنع النفايات مناخا قاتلا في غزة؟

في الطريق الترابي الضيّق المؤدي إلى خيمتها، لا تنظر أمل خليل إلى الأمام. عينها دائمًا على الأرض. أكياس بلاستيكية من النفايات ممزقة في كل مكان. قرب جامعة الأقصى في خانيونس جنوب قطاع غزة، حيث انتصبت خيمتها بمحاذاة مكب نفايات عشوائي، بات التعثّر جزءًا من الروتين اليومي، والسقوط احتمالًا لا يحتاج إلى مفاجأة.

في إحدى المرات، كادت تقع على وجهها. بعدها، بدأت تقلّل خروجها من الخيمة. ليس خوفًا من القصف، ولا من المارة، بل من الأرض نفسها. كانت تقول لنفسها إن الخطوات القليلة لا تستحق مجازفة السقوط وسط هذا المشهد.

داخل الخيمة المتهالكة، تجلس هذه السيدة، ذات الخمسة والأربعين عامًا، بحذاء بلاستيكي رخيص، تلوّح بيدها في الهواء، مطاردةً الذباب الذي يملأ المكان. لا يحتاج إلى دعوة. الرياح القادمة من جهة المكب تحمله معها، محمّلًا برائحة ثقيلة، خانقة، تلتصق بالملابس والجلد.

حاولت، أكثر من مرة، نقل خيمتها إلى مكان أبعد. لكن المكان، مثل الخيارات في غزة، محدود. حين يزورها أحد، لا تستخدم أسماء مناطق أو شوارع لتحديد موقعها. تكتفي بجملة واحدة، صارت تختصر العنوان كله: "أينما وجدتَ نفايات متكدسة، ستجدني أمامها مباشرة".

تنادي ابنها الذي يلعب قبالة المكب ليدخل الخيمة، ثم تتابع، بنبرة متعبة: "إنه لشيء مزعج أنه تكون جارًا لمكب نفايات. الرائحة تزعجنا بشدة، والحشرات غريبة. كلما تفاقمت الرائحة الكريهة، جلبت كمامة لأرتديها، لكنه عبث… هل سأرتديها طوال النهار؟ هذا بات جزءًا من يومنا".

وتقول إنها أصيبت بحساسية جلدية أكثر من مرة، وهو ما يربطه أخصائي الأمراض الجلدية الطبيب إبراهيم منصور بتراكم النفايات قرب التجمعات السكنية، حيث يؤدي ذلك إلى انتشار أمراض جلدية وتنفسية بفعل الروائح والحشرات.

يعيش آلاف المواطنين في قطاع غزة اليوم على تماسٍ مباشر مع النفايات المتكدسة في شوارعهم المدمرة وبجوار خيامهم المتهالكة. لا يقتصر الأذى على وجود النفايات ذاتها، بل يمتد إلى الروائح الخانقة، والحشرات المنتشرة، واختلاط القمامة بمياه الأمطار والصرف الصحي.

وسط مدينة غزة، قرب سوق فراس، يسكن عبد الرحمن زيد (58 عامًا) في شقة سكنيّة مستأجرة متضررة جزئيًا من القصف. المساحة لا تتجاوز مئة متر مربع، لكنها باتت تضيق أكثر بسبب الرائحة القادمة من النفايات التي تتوسط طريق السوق. 

يقول وهو يمسك عبوة معطر جو يرشها في الأرجاء: "صرت أخصص جزءًا من راتبي لشراء معطرات الجو. أكثر من 300 شيكل صرفتهم على المعطرات، لأخفف الرائحة الكريهة فقط".

يتوقف قليلًا، ثم يضيف: "صرت أتجنب الخروج والمرور من جانب سوق فراس، لكن حتى في البيت تصلني الرائحة والحشرات رغم العطور، الآن أحاول البحث عن شقة جديدة، فقط لأهرب من هذه الروائح".

في محافظة أخرى، تحديدًا في دير البلح وسط قطاع غزة، تعيش سها عبود (24 عامًا) بالقرب من مكب نفايات عشوائي عند دوار البركة. تقول إن مشهد النفايات بات يزعجها حتى من بعيد، إلى درجة أنّها صارت تسلك شوارع ملتوية لتفادي رؤيته. تتابع: "كان هذا أنظف مكان، كنا نشم رائحة المطر في الشتاء. اليوم نشم رائحته مختلطة بالعفن من النفايات المتكدسة".

لم تكن الرائحة وحدها ما يثقل يومها؛ كانت الحشرات التي تتكاثر حول النفايات، وما تخلّفه من أمراض جلدية، أشد وطأة. خلال تنقّلها المتكرر بين خيام النزوح، كانت تجد نفسها في كل مرة تقريبًا إلى جوار مكب نفايات، ومع تكرار المشهد تكرّر الألم أيضًا، حتى أصيبت بطفح جلدي أكثر من مرة، كأثرٍ مباشر لحياة تُدار على هامش القمامة.

ووفق مسؤول الرقابة على نفايات الصرف الصحي والمياه في وزارة الصحة سعيد العكلوك، تبقى اليوم أكثر من 1300 طن من النفايات في أماكن غير مخصصة، بعد تعطل آليات الدفن الآمن التي كانت تمنع تسرب العصارة إلى الخزان الجوفي قبل الحرب؛ ما يضاعف خطر تلوث التربة والمياه ويجعل الإصابة بالأمراض مسألة وقت.

فيما يرى المحامي طارق الزر أنّ تواجد النفايات في أماكن سكنية حيوية ينتهك حق السكان في بيئة صحية، كما أن منع الوصول إلى المكبات وتدمير آليات البلديات يشكّل خرقًا صارخًا للمواثيق الدولية التي تكفل حماية المدنيين.

وسط هذا الواقع، تطرح عبود أسئلتها، واحدة تلو الأخرى، بلا انتظار لإجابات: أين البلدية؟ ولماذا لا تُنقل النفايات بعيدًا عن السكان؟ وهل توجد مبيدات حشرية أصلًا؟ أسئلة تتكرر في المكان، أكثر مما تجد من يردّ عليها.

وفق المعايير البيئية المحلية لتنظيم مكبات النفايات، يفترض أن تبعد مسافة لا تقلّ عن 500 متر عن التجمعات السكنية، وأن تكون مساحتها كافية لاستيعاب أطنان النفايات، ومسيّجة للحدّ من تأثيرها، وألا تكون قريبة من الخزان الجوفي، مع تصميم يمنع تسرب العصارة. غير أنّ هذه المعايير، في ظلّ الحرب، غابت عن حيّز التطبيق.

في قطاع غزة، يوجد عشرة مكبات نفايات بين مركزية ومؤقتة وعشوائية. من أبرزها مكبّ جحر الديك شرق القطاع، الذي كانت مساحته 220 ألف متر مربع ويستقبل يوميًا نحو 1021 طنًا، ومكب الفخاري جنوب القطاع الذي كان يستقبل 600 طن يوميًا. منذ السابع من أكتوبر 2023، خرج المكبان عن الخدمة، ما دفع إلى نشوء مكبات عشوائية داخل المحافظات.

هذا الواقع اليومي ليس نتيجة إهمال فردي، بل حصيلة منظومة تعطلت بالكامل. في المحافظات الثلاث التي ما تزال تضم الكتلة السكانية الأكبر في القطاع، تتشابه الصورة. في دير البلح بالوسطى، يشرح المتحدث باسم البلدية طارق شاهين كيف اضطرت البلدية إلى إنشاء مكبين مؤقتين في منطقة البركة بعد منع الوصول إلى المكب الأساسي شرق رفح جنوب القطاع.

ويشير إلى استمرارهم في جمع النفايات من المكبات العشوائية القريبة من مخيمات النازحين، رغم صعوبة التخلص منها لعدم توفر مساحات كافية، وتوظيف 250 عاملًا لمحاولة الحدّ من تفاقم الأزمة.

بدوره، يعكس المتحدث باسم بلدية خانيونس، صائب لقان، الصورة نفسها بأرقام مختلفة: يقول: "ما كان يُجمع قبل الحرب لا يتجاوز 150 طنًا يوميًا، فيما تُجمع اليوم 350 طنًا فقط، رغم تضاعف الحاجة"، في ظلّ فقدان المكب الصحي الوحيد، ونقص الآليات والمستلزمات، حتى أنّ المكب المؤقت الذي أُنشئ بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بات في منطقة لا يمكن الوصول إليها.

وفي مدينة غزة، يربط المتحدث باسم البلدية حسني مهنا، التكدس الظاهر في أسواق حيوية مثل سوق فراس بانهيار منظومة إدارة النفايات بعد تدمير 134 مركبة وآلية ومنع الوصول إلى مكب جحر الديك الرئيسي وسط القطاع، مشيرًا إلى تراكم نحو 350 ألف طن من النفايات، مع عمل البلدية بأقل من 15% من أسطولها.

على المدى الأبعد، يحذر المختص البيئي محمد مصلح من أن المواد السامة الناتجة عن تحلل النفايات لا تبقى على السطح، بل تتسرّب مع مياه الأمطار إلى التربة، مهددةً بتلوث المياه الجوفية، فيما يؤدي حرق القمامة، بوصفه حلًا اضطراريًا، إلى إطلاق غازات خانقة تغيّر خصائص الهواء وتجعله أقل قابلية للتنفس. ومع الوقت، لا ينعكس هذا التلوث في الأرقام وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية: هواء أثقل، ومطر يحمل روائح غريبة، ومساحات وبيئة لم تعد قابلة للحياة.

في غزة، لم تعد النفايات مجرد أزمة خدمية، بل عاملًا يعيد تشكيل المناخ اليومي للمدينة: هواء أثقل، تربة ملوّثة، ومساحات لم تعد صالحة للحياة. وبين العجز ومنع الوصول، يبقى السكان عالقين في مناخ يصنعه ما يتراكم تحت أقدامهم.