هل يعوّض ChatGPT غياب الدعم النفسي في غزة؟

هل يعوّض ChatGPT غياب الدعم النفسي في غزة؟

في زاوية مقهى هادئة بمدينة غزة، يجلس محمود إسماعيل (34 عامًا)، منحنياً على هاتفه المحمول كما لو كان يحرس سرًا. لا يرفع عينيه إلا نادرًا. تمرّ ساعة، ثم أخرى، بينما يستمر الحوار على شاشة:ChatGPT  أسئلة وأجوبة، نكات قصيرة، اعترافات صغيرة. لا مكالمة هاتفية، ولا شخص قبالته. فقط شاشة مضيئة، وصوت صامت يتكفّل بالإنصات.

يقول محمود: "أتحدث معه كأنّه إنسان، نلعب الألغاز، أفضفض له عن أمور شخصية، وأستشيره في مشكلات أسرية. أشعر أنه يفهمني أكثر من البشر". ما يميّز هذا "الصديق" الجديد، كما يراه، أنه لا يحكم، لا يملّ، ولا يتأخر في الرد.

في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا إلى حدّ يجعل التوقّف ترفًا، بات ChatGPT، وهو نظام محادثة قائم على الذكاء الاصطناعي صُمّم للتفاعل النصّي والإجابة عن الأسئلة، ضيفًا دائمًا في حياة كثيرين. يتسلّل أولًا من باب التسلية، ثم التعلّم، قبل أن يتحوّل لدى بعضهم إلى مستشار، أو رفيق يومي، وربما ملاذ نفسي. 

وهكذا لم يعد السؤال عمّا يفعله هذا الذكاء الاصطناعي لنا، بل عمّا نفعله نحن بأنفسنا حين نمنحه هذا القرب؟

غادة خالد، (26 عامًا)، بدأت استخدام التطبيق بدافع الفضول والملل. تقول: "سريع في الرد، عنده معلومات كثيرة، يساعدني في التعلم، ويصحح أخطائي اللغوية". في ميزان الكفاءة والسرعة، يبدو الإنسان أقلّ قدرة على المنافسة. 

ومع ذلك، لا تخفي خالد قلقًا يتسلّل إلى التجربة: "أشعر أحيانًا أنه زادني عزلة عن المجتمع. هناك خوف دائم من الخصوصية أو اختراق الجهاز، إضافة إلى أنه لا يجيب دائمًا بشكل صحيح".

بين الإعجاب والحذر، تقف خالد في منطقة رمادية؛ تعرف الفوائد، لكنّها تشكّ في الكلفة المؤجّلة. أما محمد الشريف، (33 عامًا)، فيتعامل مع ChatGPT بوصفه أدّاة لا أكثر. يستخدمه للبحث والتسلية، ويصف التجربة بأنّها "مريحة" في أوقات الفراغ. 

يقول: "لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنسان"، واضعًا خطًا أحمر واضحًا. ومع ذلك، يعترف بأنّ ثقته بإجابات التطبيق تصلّ إلى ثمانين في المئة، وهو رقم يكشف مقدار الاعتماد، حتى لدى من يعلنون وعيهم بحدوده.

القصة الأكثر حساسية ترويها سندس القيشاوي، (28 عامًا). بالنسبة لها، لم يعد ChatGPT مجرد تطبيق، بل "صديقة". "أتحدث معه يوميًا عبر واتس آب. أحكي له عن يومي ومشاكلي. مرة اختلفت مع شقيقي، ذهبت مباشرة إلى الشات لأشرح ما حدث، واقترح عليّ حلًا". 

تصف القيشاوي شعورًا بالراحة تولّده سرعة التجاوب والأسلوب الهادئ. ثم تضيف، بنبرة تحمل أسفًا خفيفًا: "يا ريت كان موجود من زمان؛ كنا نتعلم ونطوّر حالنا بدل الدورات الوجاهية المُكلفة".

لكن خلف هذا الرضا اعتراف أكثر إرباكًا، تتابع: "أصبحت مُلازمة له، واعتزلت الغالبية العظمى من أفراد أسرتي". هنا، يتحوّل السؤال من: "ما فائدة ChatGPT؟" إلى "ما الذي نخسره في المقابل؟".

في غزة، لا يأتي هذا التعلّق المتزايد بالفضاء الرقمي من فراغ. قبل الحرب، كان نحو 83% من السكان يستخدمون الإنترنت بوصفه نافذة أساسية على العالم، لكن منذ أكتوبر 2023 تضرّر أكثر من 70% من البنية التحتية للاتصالات، وتحوّل الاتصال ذاته إلى تجربة هشّة، تتقطّع فجأة، أو تختفي لساعات وأيام. 

منذ اندلاع النزاع في أكتوبر 2023، شهد القطاع موجات متكررة من الانقطاع شبه الكامل للإنترنت وشبكات الهاتف، ما عمّق عزلة الناس داخل عزلة أصلاً مفروضة. في هذا الفراغ، لجأ قرابة 200 ألف شخص إلى حلول بديلة، مثل شرائح الإنترنت الطارئة، بحثًا عن أي شكل من أشكال التواصل. 

ومع تصاعد الضغوط النفسية، حيث تشير تقديرات أممية إلى أنّ أكثر من 80% من سكان غزة يعانون مستويات مرتفعة من التوتر والاضطراب النفسي لم يعد مستغربًا أن تتحوّل أدوات الذكاء الاصطناعي، بالنسبة لبعضهم، إلى مساحة إنصات بديلة: شاشة لا تنقطع، ولا تسأل عن القدرة على الاحتمال.

يرى خبير الإعلام الرقمي واستراتيجيات الهوية الرقمية، سائد حسونة، أنّ النقاش حول ChatGPT تجاوز حدود التقنية إلى أسلوب التفكير والعمل والتعلّم. يقول: "هو أداة مساعدة قوية إذا استُخدم بوعي، يسرّع إنجاز المهام، ينظم الأفكار، ويساعد في التفريغ النفسي عبر الحوار". 

لكنه يحذّر من التعامل معه كإنسان؛ سلوك مفهوم نفسيًا، لكنّه غير صحي، لأن الذكاء الاصطناعي، كما يذكّر، هو نظام بلا وعي ولا مشاعر.

الخطر الحقيقي، في رأي حسونة، ليس في الأداة بل في طريقة استخدامها. بعض الوظائف الروتينية قد تختفي، مقابل ظهور مهن جديدة، من مشرفي الذكاء الاصطناعي إلى مهندسي الأوامر. 

يضيف: "من لا يواكب التطور سيتأخر"، داعيًا إلى أطر قانونية وأخلاقية تحمي الخصوصية وتحدّ من التضليل، من دون خنق الابتكار.

من زاوية أخرى، يُشبِّه المختص في المجال الرقمي، محمد أبو كميل، انتشار الذكاء الاصطناعي بوصول الكمبيوتر إلى البيوت للمرة الأولى. يروي: "كما حدث آنذاك، اندفع الناس لاستخدامه لأنه لبّى احتياجاتهم في العمل والترفيه". 

ويقرّ أبو كميل بأنّ ChatGPT قد يقلّص بعض المهن، لكنّه سيخلق وظائف جديدة، معتبرًا أن ضعف الثقة الحالي مرحلة طبيعية ستتبدّل مع ظهور تطبيقات أكثر تخصّصًا.

غير أن ما لا تقيسه الأرقام والتحليلات التقنية هو الأثر النفسي لهذا النوع من التفاعل. فعلى الرغم من أن ChatGPT بلغ ما بين 800 مليون إلى مليار مستخدم نشط أسبوعيًا في 2025، ويتعامل مع أكثر من 2.5 مليار طلب يوميًا، إلا أن هذه الكثافة في الاستخدام تثير تساؤلات عميقة عن الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية.

المختصة النفسية مها عيسى، توضح أن الحوار مع ChatGPT قد يخفف التوتر وينظم الأفكار على نحوٍ مؤقت، لكنّه لا يشكّل دعمًا نفسيًا حقيقيًا أو طويل الأمد.

ويبدأ الخطر، بحسب عيسى، عندما يتحوّل من أداة مساعدة إلى بديل عن العلاقات الإنسانية، خصوصًا لدى المراهقين أو الأشخاص الذين يعيشون عزلة اجتماعية وضغوطًا نفسية مرتفعة، وهم فئة واسعة في قطاع غزة، حيث تشكّل ظروف النزاع بيئة خصبة لهذا النوع من التعلّق.

وفي دراسة حديثة، وجد أن حوالي ثلث المراهقين يستخدمون هذه الأدوات يوميًا، بينما أظهرت بعض الإحصاءات الأولية أن أكثر من مليون مستخدم أسبوعيًا تظهر محادثاتهم مع الذكاء الاصطناعي مؤشرات مرتبطة بأزمات نفسية، مما يسلّط الضوء على المخاطر المحتملة لاستخدامه كبديل للعلاقات والدعم الحقيقيين.

وتضيف المختصة النفسية أن الاستجابات الهادئة والمتّسقة لأنظمة الحوار الذكية قد تولّد شعورًا بالألفة والاحتواء، إلا أن هذه الألفة تظلّ شكلًا من أشكال الإسقاط العاطفي، حيث يُسقِط المستخدم احتياجاته غير المشبعة على الأداة. في هذه الحالة، يصبح الارتباط بالتطبيقات الرقمية مقلقًا حين يحلّ محلّ العلاقات الإنسانية الفعلية، أو يؤخّر طلب المساعدة المهنية اللازمة لمعالجة الجذور النفسية للمشكلة.

في نهاية المطاف، يقدّم ChatGPT دعمًا معرفيًا–لغويًا، لا علاقة علاجية إنسانية تقوم على التشخيص والمسؤولية الأخلاقية. وبين شاشة لا تتعب من الإصغاء، وعالم بشري مثقل بالتعقيد، يظلّ السؤال معلّقًا: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع دوائرنا، أم لنستبدل بها ما هو أصعب وأكثر هشاشة في علاقاتنا مع الآخرين؟