كانت السيدة فيروز حجازي (65 عامًا) تتخيّل نفسها اليوم تجلس تحت شجرة الياسمين التي تتوسط باحة منزلها في بيت لاهيا وسط قطاع غزة. كرسيان خشبيان متقابلان، فنجانا شاي يبردان ببطء، وزوجها إلى جوارها يتابع حركة العصر فيما تمرّ أحاديث خفيفة عن الأبناء والأحفاد. لم تكن تتخيّل شيئًا أكثر من ذلك: نهاية هادئة لحياة طويلة، بلا عجلة ولا خوف.
لكن المشهد لم يحدث. فبدلًا من باحة البيت، تستلقي حجازي اليوم على سرير خشبي متواضع في حي الجلاء غربي مدينة غزة. الجدار المجاور متشقق، والنافذة مكسورة، وكلاهما طالتهما آثار القصف. من زاوية الغرفة، يتسلل ضوء شاحب يكشف جسدًا نال منه المرض، ووجهًا يحمل أكثر مما يحتمل عمره.
لم تكن التجاعيد بهذا العمق قبل الحرب الإسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر 2023 على قطاع غزة. اليوم، تبدو كخرائط صغيرة لخسارات متراكمة. تصمت الغرفة، ولا يُسمع سوى تنهيدتها، وهي تستعيد زوجها، وابنها معاذ، وابنها الآخر محمد، الذي ما زال مفقودًا.
تقول بصوتٍ واهن: "كنت أظن أن سنواتي الأخيرة ستكون أهدأ، بعد عمر طويل من التعب. لم أكن أتوقع أن تنتهي هكذا. منذ بدء النزاع، فقدت الرفيق، وفقدت الابن".
منذ ذلك الفراق، تعيش حجازي على الأدوية والمسكنات التي تُجلب بصعوبة وبكلفة مرتفعة. تقول إن لا أحد يلتفت إلى مَن هم في عمرها، حتى في توزيع المساعدات النقدية والإغاثية. تمسح دمعة سقطت رغمًا عنها، ثم تتساءل: "لماذا نحن المسنين مهمشون إلى هذا الحدّ؟ لا أحد يهتم بنا، ولا بتوفير أبسط احتياجاتنا".
بعد تشتت العائلة، فقدَت أملها بالحياة. صارت أيامها متشابهة: دواء في الصباح، مُسكِن في المساء، وبينهما وقت طويل من الفراغ والانتظار والوجع، لا يشبه شيئًا من الحياة التي عرفتها من قبل.
تقول ابنتها، بصوت منخفض ومتقطع، إنّ الأطباء شخصوا والدتها بسرطان النخاع، وإنّ المرض تفشى في عظامها. تردف: "لم نخبرها حتى لا تُهزم نفسيًا، فالمنظومة الطبية هنا منهارة، ولا علاج ولا اهتمام".
آلاف المسنين في قطاع غزة كانوا قد بلغوا مرحلة ظنّوا أنها ستكون أهدأ، بعد عمر طويل من العمل والاحتمال. أنهوا سنوات الكدّ الشاق وهم ينتظرون زمنًا أكثر استقرارًا وطمأنينة، ورسموا نهايات بسيطة لحياتهم لا تتجاوز بيتًا صغيرًا، ووجوهًا مألوفة، وأيامًا أقل صخبًا وحياة آمنة. غير أنّ الحرب سلبتهم شقى العمر، وحرمتهم من تلك المرحلة، ودفعتهم إلى النزوح والفقد في وقت لم يعد فيه الجسد ولا النفس قادرين على البدء من جديد.
وفي ظلّ غياب إحصائية دقيقة بعدد الضحايا أو المصابين من كبار السن، تشير وزارة الصحة إلى أنّ نحو 8.6% من الضحايا هم من هذه الفئة، فيما يفقد كثيرون منهم حياتهم لاحقًا، نتيجة ما تراكم عليهم من ألم نفسي وجسدي.
قبل اندلاع النزاع، كان كبار السن يقضون معظم يومهم في تفاصيل باتت اليوم أقرب إلى الذكرى منها إلى الواقع. تشير أرقام مسح جهاز الإحصاء المركزي لعام 2021 إلى أنّ نحو 60% منهم كانوا يقضون ما معدله 14 ساعة ونصف يوميًا في أنشطة العناية الشخصية، ونحو أربع ساعات في التآنس والمشاركة المجتمعية، وحوالي ساعة في تقديم خدمات المجتمع المحلي والتطوع. لكن اليوم، تحوّلت تلك الساعات إلى وقت انتظار: انتظار الدواء، أو المساعدة، أو خبر لا يأتي.
في خانيونس جنوبي القطاع، تتابع أم أحمد شهوان (72 عامًا) زخّات المطر من خلف شادر بلاستيكي، في شقة ابنها المتضررة جزئيًا من القصف، حيث تنزح منذ أن فقدت بيتها. وبينما تشاهد المطر، تغوص في ذكريات ما قبل الصرع، في بيتها المكوّن من أربعة طوابق، حين كان الشتاء يعني السكينة، وكوب شاي ساخن في ليالي المطر، لا القلق من البرد وتسرب المياه.
تقول، وبجوارها أقراص دواء ضغط الدم وأخرى للسكري: "عشت ما لم أعشه في عمري كله. جربت الجوع لأول مرة، وفقدت الكثير من وزني. انقطعت عن أدويتي حين فُقدت، وعشت في خيمة نزوح شعرت فيها ببردٍ يصل إلى القلب. قُصف بيتي، وفقدت أكثر من ستين شخصًا من عائلتي، أعرفهم فردًا فردًا".
بالنسبة لها، لم تكن هذه الحرب الأولى. عاشت خمس حروب في غزة، وكلما ظنّت أن زمنًا أكثر هدوءًا قد يبدأ، وأن الأحفاد سيملأون المكان، كانت حرب جديدة تباغتها. ما تغيّر هذه المرة أن الجسد لم يعد يحتمل، وأنّ الذاكرة امتلأت أكثر مما ينبغي.
أما العم فايز علي (63 عامًا)، فيجلس أمام خيمته في حي النصر غربي مدينة غزة، يراقب قارورة صغيرة زرع فيها النعناع. وضعها بجانب الخيمة لتكون مكشوفة أمام السماء، تعيش على ماء المطر. تذكِّره بأرضه في شمال القطاع، التي كانت عامرة بأشجار الزيتون والبرتقال والخضروات، قبل أن تدمرها الحرب.
يقول: "كان يجب أن أكون هناك، في الأرض التي زرعتها. كنت أرى تشققات يدي فيها، وألتقط الصور مع الأبناء والأحفاد، نقطف الثمار ونأكل. هكذا تخيلت سنوات عمري الأخيرة. لكن الأحداث الماضية جعلتني رجلًا منهكًا، فاقدًا لكل شيء، حتى المشهد الذي حلمت أن أختم به حياتي".
نزح الرجل أكثر من مرة، من شمال قطاع غزة إلى وسطه ثم جنوبه. وخلال نزوحه إلى رفح، أُبلغ بأن بيته قد قُصف. سقط فاقدًا للوعي، وأُصيب بجلطة قلبية. لاحقًا، ومع ما تعرّض له من تجويع وإرهاق، ظهرت عليه هشاشة في العظام ومشاكل صحية في الأعصاب. يقول وهو يضع يده على صدره إن المعاناة ما زالت مستمرة، لكن ألم الحزن والفقد أشد.
فقدَ العمّ صهره الذي فارق الحياة بين يديه، فكان ذلك عبئًا إضافيًا لم يحتمله قلبه المنهك أصلًا. منذ ذلك اليوم، لم يعد الجسد كما كان. اليوم يستند إلى عكازه، ولا يزال يحمل همّ أبنائه في عمر كان يتمنى فيه الراحة، بعد سنوات طويلة أمضاها في العمل سائقَ شاحنة، ونجارًا، ومقاولًا. طحنتْه الحياة، كما يقول، ولم يكن كل ما يريده في آخر أيامه سوى أن ينال قسطًا من الراحة.
حاليًا، ينتظر تعويضًا عن بيته وماله اللذين فقدهما، لكنّه يُشكِّك في عدالة توزيع المساعدات. يقول: "تصلني مساعدات، لكنها غير ثابتة، أبنائي يجلبونها لي، فأنا لا أستطيع الوقوف في الطوابير. الأماكن غير مهيأة لكبار السن. نحن بحاجة لأن نكون أولوية".
هذا الواقع الذي يعيشه كبار السن في قطاع غزة لا يقف عند حدود المعاناة الإنسانية فحسب، بل يتعارض أيضًا مع أطر قانونية وحقوقية دولية واضحة. فهو يناقض مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن (1991)، وخطة عمل مدريد الدولية للشيخوخة (2002)، وكذلك القاعدة 138 من القانون الدولي الإنساني العرفي، التي تقرّ بأن كبار السن والمتضررين من النزاعات المسلحة يستحقون احترامًا وحمايةً خاصّين.
وفي الإطار المحلي، كان يُفترض أن يتضمن قانون الصحة العامة الفلسطيني رقم (20) لسنة 2004 نصوصًا صريحة تُنظّم حماية كبار السن ورعايتهم الصحية، غير أن مواده تكتفي بأحكام عامة تتناول الخدمات الصحية بصورة شاملة، دون تخصيص واضح لكبار السن.
من الناحية النفسية، فإنّ هذا التحوّل القسري في شكل الحياة، وما يصاحبه من شعور بالتهميش، يضع كبار السن في وضع بالغ الصعوبة، خاصة أنّ معظمهم يعاني أصلًا أمراضًا مزمنة تفاقمت حدّتها في ظل ظروف الحرب، من نقص العلاج، وانقطاع الأدوية، وسوء التغذية، والإجهاد المستمر.
إلى جانب ذلك، وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف استثنائية لم يكن لهم أي قدرة على التحكّم بها، من نزوح متكرر، وخسارة البيوت، والتعرّض المتواصل للقصف، وفقدان أفراد من العائلة، ما فاقم هشاشتهم النفسية والجسدية معًا.
توضح المختصة النفسية نورا أبو عيطة أن الحروب تؤثر بعمق على الصحة النفسية لكبار السن، إذ ينتقلون من مرحلة يُفترض أن تكون أكثر استقرارًا وطمأنينة، إلى واقع مليء بالخوف، وعدم الأمان، وفقدان السيطرة.
وبحسب عملها الميداني، يعاني كثير منهم القلق المزمن، واضطرابات النوم، واسترجاع صدمات سابقة، إضافة إلى مشاعر الحزن والعجز والخسارة. كما أن التغير المفاجئ في أدوارهم داخل الأسرة والمجتمع، والاعتماد القسري على الآخرين، ينعكس سلبًا على تقديرهم لذواتهم، ويعزز شعورهم بأنهم عبء.
وحول سبل التخفيف من هذه الآثار، تشير أبو عيطة إلى أهمية الإصغاء لمخاوفهم دون تقليل، وإشراكهم في القرارات اليومية لتعزيز الشعور بالسيطرة والكرامة، ومراقبة أي مؤشرات لتدهور نفسي مع إحالتهم للدعم المتخصص عند الحاجة.
وتؤكد أن الدعم الإنساني لكبار السن لا يقتصر على تلبية احتياجاتهم الجسدية، بل يبدأ من الاعتراف بمخاوفهم النفسية واحترام تجربتهم الطويلة مع الحياة.
في غزة، لم يعش كبار السن الحرب كأزمة مؤقتة، بل كتراكم نهائي لكل ما سبقها. حملوا الحياة على أكتافهم لعقود، عملوا، وربّوا، وصبروا، وانتظروا زمنًا أخف. لكن الزمن، حين جاء، كان حربًا أخرى. وهذه المرة، لم يترك لهم ما يكفي من القوة للاحتمال.


