لم يعد الألم عند عبد الرحمن ناهض (34 عامًا) مجرد عرض عابر لإصابة حرب، بل حالة مزمنة تحكم إيقاع يومه وليله. فمنذ إصابته عام 2024 بشظايا قصف وقع قرب منزله في مدينة غزة، اخترقت جسده ورأسه واستقرت قرب أحد أعصاب ساقه اليمنى، دخل في مسار علاجي منقوص، يهيمن عليه ألم مستمر بلا مسكنات.
خضع عبد الرحمن لعدة عمليات جراحية في المشفى الأهلي العربي (المعمداني) وسط مدينة غزة، لكن الألم العصبي ازداد حدّة مع مرور الوقت. وهو من أكثر أنواع الألم تعقيدًا من الناحية الطبية، إذ لا يستجيب للمسكنات البسيطة، ويتطلب بروتوكولات علاجية دقيقة وأدوية متخصصة طويلة الأمد.
يقول عبد الرحمن: "لا أعرف النوم ليلًا ولا نهارًا. الألم لا يهدأ، وفي الشتاء يشتد أكثر، كأنّه يذكّرني بالإصابة في كل لحظة. جسدي لا يعرف الراحة، وحتى النوم يتحوّل إلى عذاب".
طبيًا، يُصنّف الألم العصبي كحالة مرضية قائمة بذاتها، لا كعرض ثانوي، وينتج عن تلف مباشر في الأعصاب، وغالبًا ما يرافق إصابات الشظايا، وحالات البتر، والكسور المعقدة. يحتاج هذا النوع من الألم إلى مسكنات قوية، وأحيانًا إلى أدوية من فئة المخدرات الطبية المراقبة، تُعطى بجرعات محسوبة وتحت إشراف صارم. لكن هذه الأدوية غير متوفرة في قطاع غزة.
أقرّ طبيب العظام لعبد الرحمن مسكنات قوية، لكنها لم تدخل القطاع. ومع استمرار الألم وغياب أي بديل طبي آمن، لجأ إلى "الترامال". في البداية كان الهدف تسكين الألم، لكن مع مرور الوقت تحوّل الاستخدام إلى اعتماد جسدي ونفسي، وهو مسار معروف طبيًا حين يُستخدم الدواء خارج إشراف طبي ولفترات طويلة.
لم يخفّ الألم، بل تضاعف. يوضح عبد الرحمن أنّ صحته تدهورت، وازدادت العصبية والانفعال، وهي أعراض مرتبطة طبيًا بالإدمان على مواد مخدّرة غير طبية عند استخدامها بشكلٍ غير منتظم.
ووفق أحدث ما أورده مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نقلًا عن وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد المصابين منذ 7 أكتوبر 2023 نحو 170,999 جريحًا حتى مطلع ديسمبر 2025 الجاري. وفي تقدير لمنظمة الصحة العالمية، تُصنَّف قرابة 42,000 إصابة على أنها "مُغيِّرة للحياة" وتتطلب تأهيلًا طويل الأمد، فيما واجه أكثر من 5,000 شخص حالات بتر.
وفي الوقت نفسه، تتفاقم معاناة السيطرة على الألم مع أزمة الإمدادات: إذ أشارت منظمة الصحة العالمية إلى نفاد43% من الأدوية الأساسية بالكامل في قطاع غزة (بما في ذلك مسكنات وأدوية حيوية) خلال 2025، ما يجعل الوصول إلى مسكنات آمنة تحديًا يوميًا لعدد كبير من الجرحى.
لا تقتصر هذه الدوامة من الألم والحرمان العلاجي على تجربة عبد الرحمن، بل تمتد إلى جرحى آخرين يواجهون المصير ذاته. شادي سميح (35 عامًا) تعرّض لبتر في قدمه اليمنى خلال الحرب، لتتبعه آلام حادة تُعرف طبيًا بـ "ألم الطرف الوهمي" وآلام ما بعد البتر، وهي حالات تتطلب تدخلًا دوائيًا متخصصًا وبرامج تأهيل طويلة الأمد.
رغم أن طبيبه أقرّ له عقار "الترامادول" بجرعات محددة، لم يتوفر الدواء. ومع تفاقم الألم، لجأ سميح إلى بدائل مخدّرة غير طبية.
من الناحية الصحية، يشير الأطباء إلى أنّ الألم غير المسيطر عليه يرفع مستويات التوتر الهرموني في الجسم، ويؤدي إلى اضطرابات في النوم، وارتفاع ضغط الدم، وضعف المناعة، ما يزيد احتمالات العدوى ويؤخر الشفاء.
يقول سميح، وهو أب لطفلين: "أحيانًا أضرب أولادي، وأُعنف زوجتي لفظيًا. أدرك أن المخدرات تؤذيني وتؤذي عائلتي، لكنني أشعر أنني مضطر إليها".
يعترف شادي بأن ما يلجأ إليه يخفف الألم مؤقتًا، لكنه يدمّر صحته النفسية والجسدية، ويفكك علاقته بأسرته، ويزرع شعورًا دائمًا بالذنب والخوف.
وفي ظلّ غياب المسكنات الطبية النظامية، لم يكن الحصول على هذه الحبوب يتم بسهولة أو بكلفة عادية، بل عبر سوق غير رسمية تفرض أثمانها الخاصة، حيث يصبح تسكين الألم مرهونًا بالقدرة على الدفع، لا بالحاجة الطبية.
أسامة محمد، (35 عامًا)، فقَدَ معظم أفراد عائلته حين قُصفت المدرسة التي لجئوا إليها. يقول بصوتٍ مُثقل بالألم: "نزفت ثلاث ساعات تحت الركام، وأُخرجت مصابًا بشظايا في جسدي، وبتر في الساقين، وبطن ممزقة، دون توفر عمليات أو علاج كافٍ".
يصف ألمه بمرارة قائلًا: "والله أنا لست مدمنًا، لكن لا خيار أمامي سواه، فماذا أفعل؟". ويلجأ محمد إلى المخدرات لينام ساعات قليلة فقط في اليوم، هربًا من ألمٍ لا ينقطع، وجسد لم يعد يحتمل.
وسط الفوضى التي فرضتها الحرب وانهيار منظومة الرقابة، برز الاتجار غير القانوني بالمواد المخدّرة كإحدى النتائج الجانبية الخطيرة، حيث تحوّل الجرحى، خصوصًا من يعانون آلامًا مزمنة، إلى فئة مستهدفة من قبل شبكات تبيع بدائل غير طبية بأسعار مرتفعة. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن هذه السوق تستغل حاجة المصابين إلى تسكين الألم، وتدفعهم إلى مواد غير آمنة تُفاقم معاناتهم بدل أن تخففها.
يصف رئيس الأجسام الممثلة لذوي الإعاقة في قطاع غزة، ظريف الغرة، ما يحدث بأنّه إحدى أخطر النتائج غير المرئية للحرب والحصار. يقول إن آلام الأعصاب المزمنة، في ظلّ غياب الأدوية والمسكنات الخاصة، تدفع المصابين، بعد عام أو عامين، إلى المخدرات. "ليس خيارًا، بل الحلّ الوحيد أمامهم".
وبحسب الغرة، فإنّ ما بين 30 إلى 35% من الجرحى وذوي الإعاقة، خصوصًا حالات البتر وأمراض الأعصاب، لجئوا إلى مواد مخدّرة غير طبية.
المشكلة، كما يوضح، لا تكمن فقط في التزايد العددي، بل في "العودة إلى الوراء"، حين يصبح العلاج الطبي لاحقًا غير كافٍ، ويرفضه الجسد الذي اعتاد جرعات أعلى من التخدير. يردف: "الجسم يتعود، والجرعات تكبر، والتخلص من الإدمان يحتاج وقتًا طويلًا وجهدًا معقدًا، وهو غير متاح أصلًا".
ويشير الغرّة إلى حالة شاب يبلغ 33 عامًا، أُصيب في حرب 2008 ببتر في ساقه وكسر في الجمجمة مع فقدان جزء منها، وكان حينها في السادسة عشرة من عمره. وخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة (2023-2025)، ومع انقطاع المسكنات التي كان يعتمد عليها، تفاقم ألمه واضطر إلى اللجوء إلى المخدرات، ليصبح مدمنًا قسرًا.
ويضيف الغرّة أن هذه الحالة تختصر المسار الذي يواجهه كثير من المصابين حين يُترك الألم دون علاج، محذرًا من أن استمرار انقطاع المسكنات لا يفاقم المعاناة فحسب، بل يحوّل الإدمان إلى عائق إضافي أمام إعادة التأهيل، ويقوّض أي محاولة لدمج المصابين اجتماعيًا أو مهنيًا.
استشاري جراحة العظام والمدير القائم على المشفى الأهلي العربي (المعمداني)، فضل نعيم، يؤكد أنّ الألم من أصعب الأعراض التي يتعرض لها المصابون، لما له من انعكاسات مباشرة على قدرتهم على التعايش مع الإصابة، وعلى حياتهم الاجتماعية، فضلًا عن تأثيره على أبسط الأنشطة اليومية، مثل النوم أو محاولة العمل رغم الإصابة.
ويعزو نعيم نقص المسكنات إلى الحصار، موضحًا أنّ كميات محدودة جدًا من الأدوية دخلت القطاع منذ بداية العدوان، في مقابل أعداد كبيرة من الإصابات الصعبة والمعقدة، التي تتطلّب كميات كبيرة من المسكنات، خصوصًا في المراحل الأولى بعد الإصابة وقبل العمليات الجراحية وبعدها.
ويشير إلى أنّه في الغالب تكون هذه الأدوية من فئة المخدرات الطبية المراقبة، وهي غير متوفرة أصلًا بكميات كافية حتى قبل العدوان، فضلًا عن النقص الحادّ في المسكنات البسيطة مثل "الباراسيتامول" و"الديكلوفين".
وتُشكِّل المسكنات جزءًا أساسيًا من العلاج، يقول نعيم: "يُعدّ الألم العامل الحيوي الخامس، إلى جانب النبض ودرجة الحرارة وضغط الدم والتنفس، في تقييم التعافي. فكلما انخفض مستوى الألم، اقترب المريض أكثر من الشفاء". ويضيف أنّ غياب المسكنات لا يمنع الحركة والعلاج الطبيعي فحسب، بل يعيق المريض عن ممارسة أنشطته اليومية، ويؤثر سلبًا على حالته الجسدية والنفسية، ويؤخر تعافيه.
ويؤكد أنّه لا توجد بدائل حقيقية عن المسكنات الطبية، ولا يمكن تعويضها بوسائل أخرى، لأنّ الألم في هذه الحالات ليس نفسيًا أو بسيطًا يمكن علاجه بالأعشاب أو الوصفات الشعبية. ويرى أنّ عدم توفير المسكنات يفتح الباب أمام الاتجار غير القانوني بمواد أقرب إلى المخدرات منها إلى الأدوية العلاجية.
في مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة، يوضح استشاري جراحة العظام الطبيب محمود مطر، أن نقص المسكنات ينعكس مباشرة على القرارات الطبية. يقول: "نضطر لتأجيل أو إلغاء عمليات لأننا لا نستطيع توفير بيئة علاجية آمنة".
ويشير إلى أنّ إجراء عمليات كبرى دون القدرة على التحكم بالألم بعد الجراحة يزيد نسب الالتهابات، ويؤثر على التئام العظام والجروح، كما يجعل المريض غير متعاون مع برامج التأهيل، ما يقلل فرص استعادة الوظيفة الحركية.
ويحذّر مطر من مخاطر اللجوء إلى مواد مخدّرة غير مرخصة، تشمل جرعات غير محسوبة، واحتمال التسمم، وتثبيط الجهاز التنفسي، والإدمان، وكلها قد تكون مميتة.
من منظور الصحة النفسية، توضح الأخصائية مها عيسى أنّ الألم المزمن غير المعالج يفتح الباب أمام الإدمان بوصفه نتيجة متوقعة لا انحرافًا سلوكيًا. تقول: "حين يفقد الجريح السيطرة على ألمه، يفقد السيطرة على حياته".
وتوضح أن الإدمان يؤدي إلى تقلبات مزاجية، واكتئاب، واضطرابات قلق، وتراجع الالتزام بالعلاج الطبي، كما يضعف الشهية والنوم، ويؤثر على وظائف الكبد والجهاز العصبي، ما يضاعف العبء الصحي على جسد منهك أصلًا. وتحذّر من أن الإدمان يعيق التكيف الصحي مع الإعاقة أو الإصابة، ويمنع بناء استراتيجيات تأقلم سليمة.
ومع غياب مراكز متخصصة لعلاج الإدمان أو دعم الصحة النفسية تحت وطأة الحرب، يجد المصابون أنفسهم عالقين بين ألم لا يُحتمل وإدمان بلا أفق علاجي.
من جانبه، يؤكد الناشط الحقوقي سعيد عبد الله أن منع إدخال الأدوية والمسكنات يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، ويُعد شكلًا من أشكال العقاب الجماعي المحظور.
ويُحمّل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية قانونية مباشرة عن النتائج المتوقعة، بما فيها لجوء الجرحى إلى بدائل خطرة، معتبرًا أن استخدام الألم كأداة حرمان قد يرقى إلى تعذيب غير مباشر، وانتهاك للحق في الصحة والكرامة الإنسانية، وقد يُصنّف كجريمة حرب إذا ثبت أنه ممنهج وواسع النطاق.
ما يعيشه جرحى غزة اليوم، ليس انحرافًا سلوكيًا ولا أزمة فردية معزولة، بل نتيجة مباشرة لحرمان علاجي ممنهج وحصار يطيل الألم، ويحوّل الضحية إلى متهم. بين جسد ينزف، ونفس مثقلة، ودواء غائب، يقف الجريح أمام خيارين قاسيين: ألم لا يُحتمل، أو إدمان لا يُغتفر. وفي الحالتين، يبقى الألم مستمرًا، والمساءلة غائبة.


