كانت هنادي أحمد (*) تعيش حياة زوجية وُصفت، حتى وقت قريب، بالآمنة والمستقرة: دخل ثابت وشراكة يومية في تأمين احتياجات الأسرة، بلا ما ينذر بانكسار. ثم جاءت الحرب، واختفى الراتب من البيت، لا دفعة واحدة بل كغيابٍ صامت طال أمده. ومعه بدأ التوازن يتآكل ببطء، وتسلّل توتر غير مرئي إلى تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن يتحوّل الصمت نفسه إلى أول أشكال العنف.
قبل ذلك، لم تكن هنادي (39 عامًا) ترى نفسها مجرد مُعيلة. كانت، كأمٍّ لثلاثة أطفال، تشعر بأنها جزء أساسي من معادلة الأسرة، تعمل إلى جانب زوجها وتتقاسم معه أعباء المعيشة. تقول: "كان روتين حياتي متوازنًا، وكنت أشعر بقيمة وجودي وتأثيري في كل خطوة أخطوها". لكن هذا الإحساس بالثبات لم يصمد طويلًا. مع فقدانهما العمل معًا، اختلّت المعادلة بالكامل.
الضغط الاقتصادي، كما تصفه، فتح باب النزاعات. في البداية كانت خلافات عابرة، ثم بدأ العنف النفسي يتسلل إلى اليوميات. تردف: "الكلمات الجارحة أصبحت جزءًا من يومي، مشيرةً إلى أن بعض الخلافات انتهت بعنف لفظي وجسدي، غذّته ضغوط الحياة وانعدام الدخل.
مع الوقت، تقول أحمد إن الخلاف لم يعد يدور حول المال وحده، بل حول موقعها داخل البيت. لم تعد تُستشار كما قبل، ولا يُنظر إلى عملها السابق بوصفه مساهمة. تضيف: "صرت أحسب كلماتي قبل ما أحكي، لم أعد أشعر أنني شريكة ولا زوجة، مجرد شخص موجود تحت نفس السقف. الإهانات صارت يومية، وأذاها النفسي أكبر من أي شي".
ما حدث في بيت هذه السيدة ليس حالة فردية، بل صورة مكثّفة لما تشهده بيوت كثيرة في قطاع غزة بعد الحرب. فمع فقدان الدخل وارتفاع البطالة إلى مستويات قياسية، لا يتغير نمط العيش فحسب، بل يُعاد تشكيل ميزان القوة داخل الأسرة، ويتراجع الإحساس بالقدرة على الاختيار.
في هذا السياق، تصبح الخلافات اليومية مدخلًا لعنفٍ يتسلل تدريجيًا. وبهذه الطريقة، لا تدخل الحرب البيوت عبر القصف فقط، بل عبر اقتصادٍ منهار يستقر في أكثر العلاقات ترابطًا.
ولفهم هذا التصاعد في سياقه الأوسع، تُظهر الإحصاءات الرسمية قبل الحرب الراهنة على قطاع غزة، أن أكثر من نصف النساء المتزوجات تعرضن لأشكال من العنف داخل الأسرة، من بينها العنف الاقتصادي الذي أبلغت عنه 55.1% منهن لمرة واحدة على الأقل، ما يعكس هشاشة التوازن الاقتصادي وتوزيع القوة داخل الأسرة حتى قبل النزاع. ومع اندلاع الحرب وتفاقم الانهيار المعيشي، لم تُنشئ الأزمة واقعًا جديدًا بقدر ما عمّقت واقعًا قائمًا.
وتشير تقارير أممية خلال الحرب إلى زيادة مصنّفة في العنف القائم على النوع الاجتماعي، شملت حرمان الوصول إلى الموارد الأساسية بنسبة نحو 35.5% من الحالات الموثقة خلال منتصف 2025، في بيئة يتفاقم فيها شح الماء والطعام والخدمات الصحية.
وفي هذا السياق، تُظهر التقديرات أن نحو نصف المتضررين من النزاع هم من النساء والفتيات، فيما لم تصل خدمات الحماية والصحة المرتبطة بالعنف إلا إلى عشرات الآلاف، ما يسلّط الضوء على اتساع الفجوة بين حجم العنف وقدرة منظومات الاستجابة.
قصة مها شريف (*)، أمّ لسبعة أطفال، تختلف في تفاصيلها عن تجربة هنادي، لكنها تتقاطع معها في أن فقدان الدخل كان الشرارة الأولى لتصاعد العنف الأسري. إذ تقول إن الحرب لم تأخذ منها العمل فقط، بل فاقمت العنف داخل بيتها.
قبل النزاع، كانت تعمل في مؤسسة صحية وتحصل على راتب ثابت، فيما كان زوجها يعمل بنظام المياومة. ومع ذلك، كان العمود الفقري للحياة المعيشية قائمًا على دخلها. تضيف: "منذ السابع من أكتوبر 2023 توقف عملي، وبدأت المعاناة".
فقدان الراتب قلب كل شيء في حياة شريف (46 عامًا)، تحولت الضغوط المعيشية المتراكمة إلى توتر دائم، ثم إلى عنف نفسي ولفظي متكرر. وجود الأطفال وكثرة احتياجاتهم، كما تشرح، فاقما حدّة الخلافات.
تتابع: "كان كل بيتنا قائمًا على راتبي، اليوم كلّه راح"، موضحةً أن انعدام الدخل جعلها عالقة في دائرة تبعية مالية خانقة، غير قادرة على حماية نفسها أو أطفالها من تصاعد العنف، في ظل غياب أي بدائل أو دعم ثابت.
بالنسبة لها، لم يكن العنف هو الخطر الوحيد. فكرة المغادرة نفسها بدت مستحيلة. سبعة أطفال، بلا دخل، بلا مأوى بديل. تسأل: "حتى لو بدي أطلع، أطلع على وين؟ ففي حساباتها اليومية، كان البقاء المؤلم أقلّ كلفة من المجهول.
أما آمال صبري (*)، فقد خسرت الاستقرار تدريجيًا، دون أن تترك لها الحرب مساحة للاختيار. مع تصاعد الضغوط المعيشية، وجدت نفسها في مواجهة عنف مركّب داخل الأسرة. تقول إن الأزمة الاقتصادية عمّقت الخلافات اليومية، وحوّلت القلق بشأن تأمين الاحتياجات الأساسية إلى مصدر دائم للتوتر والعنف.
اعتماد زوجها الكامل على راتبها جعل قدرتها على الاعتراض أو المغادرة شبه مستحيلة. الخوف، كما تصفه صبري (30 عامًا)، لم يعد حبيس النفس، بل امتد إلى أطفالها، الذين باتوا شهودًا يوميين على العنف داخل البيت. تقول: "الأزمة لم تسرق الأمان فقط؛ بل فرضت عليّ البقاء داخل علاقة مؤذية بلا خيارات حقيقية".
وتشير صبري إلى إن أكثر ما يخيفها ليس ما تتعرّض له، بل ما يتعلّمه أطفالها من هذا المشهد. تضيف: "صاروا يعرفوا وقت الخلاف من نبرة الصوت ويهربوا" بالنسبة لها، لم يعد العنف لحظة، بل نمط حياة يُعاد إنتاجه أمام أعينهم، ويكبرون وهم يعيشونه يوميًا.
وتدعم هذه التجارب ما تشير إليه تقديرات أممية حديثة حول العنف القائم على النوع الاجتماعي في قطاع غزة خلال الحرب. فبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، تحتاج مئات الآلاف من النساء والفتيات إلى خدمات الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، في ظل انهيار واسع لشبكات الأمان الاجتماعي. كما تُظهر التقديرات أن أكثر من 80% من السكان فقدوا مصادر دخلهم، وأن نسبة كبيرة من النساء فقدن استقلالهنّ الاقتصادي بعد الحرب، ما فاقم التبعية المالية داخل الأسرة.
وفي هذا السياق، لم يعد العنف مقتصرًا على الأذى الجسدي، بل امتد ليشمل العنف النفسي والاقتصادي. ويزيد من حدّة هذا الواقع ما خلصت إليه تقييمات أعدّتها جهات معنية بحماية النساء في غزة، والتي تشير إلى أن العديد من الناجيات لا يجدن وصولًا كافيًا إلى خدمات الدعم القانوني والنفسي، في ظل تدمير مراكز الحماية وانهيار أنظمة الاستجابة الإنسانية.
كما تتقاطع هذه التجارب الفردية مع ما تشير إليه دراسات حديثة، جاءت في سياق النقاش الذي أعادته حملة الـ 16 يومًا لمناهضة العنف ضدّ المرأة. إذ تُظهر ورقة بحثية أن الحرب والأزمة الاقتصادية في غزة عمّقتا أشكال العنف النفسي والاقتصادي ضدّ النساء، خاصّة في ظلّ فقدان الدخل والتبعية المالية، مؤكدةً الحاجة الملحّة إلى برامج حماية وتمكين فعّالة.
تربط الأخصائية الاجتماعية رويدا الفيصل بين تصاعد العنف بعد الحرب والضغوط الاقتصادية وغياب الدخل، مشيرةً إلى أنّ المنازل تحوّلت إلى بيئات مشحونة بالتوتر. وتوضح أن التبعية المالية تمنع كثيرًا من النساء من طلب الحماية، ما يجعل برامج التمكين الاقتصادي والدعم النفسي والاجتماعي ضرورة عاجلة، لا خيارًا مؤجلًا. وتضيف أن ضعف منظومة الحماية خلال الأزمات يزيد من هشاشة النساء، ويجعل التدخل الميداني أكثر إلحاحًا.
من زاوية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن العلاقة بين الاقتصاد والعنف الأسري علاقة متداخلة ومتصاعدة. فالاقتصاد، بوصفه علمًا اجتماعيًا، يؤثر مباشرة في الحياة السياسية والاجتماعية والنفسية، سواء على مستوى المجتمع أو داخل الأسرة.
ويشير إلى أن ارتفاع معدلات البطالة، وانهيار الدخل، والارتفاع الحاد في الأسعار خلال الحرب، ولّدت ضغوطًا نفسية واقتصادية هائلة داخل الأسر، خاصة على ربّ الأسرة الذي يجد نفسه عاجزًا عن تأمين الاحتياجات الأساسية، ما قد ينفجر في صورة عنف لفظي أو جسدي.
غياب الدخل، كما يؤكد أبو قمر، لا يخلق أزمة معيشية فحسب، بل يفتح الباب أمام التفكك الأسري وتفاقم المشكلات النفسية والاجتماعية. ورغم أن الدخل ليس العامل الوحيد، فإنه يظل عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسرة والحد من الضغوط اليومية. ويضيف أن النساء العاملات بنظام العقود المؤقتة أو المياومة، وكذلك النساء اللواتي فقد أزواجهن مصادر دخلهم، إضافة إلى النساء النازحات في الخيام، كنّ الأكثر تضررًا، حيث تتضاعف الضغوط المعيشية والنفسية وتزداد احتمالات التعرّض للعنف.
على المستوى القانوني، تشير المحامية والناشطة الحقوقية صفاء أبو جبة إلى أن الإطار القانوني لحماية النساء من العنف في قطاع غزة ما يزال هشًا، رغم تعدد القوانين السارية والتزامات دولة فلسطين بالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية "سيداو". وتلفت إلى غياب قانون خاص وشامل لحماية الأسرة من العنف، رغم طرح مشروعه منذ سنوات دون إقرار.
النزاع، بحسب أبو جبة، فاقم عجز النساء عن الوصول إلى العدالة، نتيجة تعطّل المحاكم والنيابات ومراكز الشرطة، وانهيار البنية التحتية، إلى جانب الخوف، وانعدام الخصوصية، وتراجع خدمات الحماية القانونية والاجتماعية. كما تشكّل التبعية المالية عائقًا حقيقيًا أمام التبليغ عن العنف، خشية فقدان أي مصدر دعم.
وتؤكد أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق اتسعت بشكل خطير خلال النزاع، في ظلّ ضعف إنفاذ القوانين، وغياب الحماية الفورية للناجيات، واستمرار الضغوط الاجتماعية والوساطات العشائرية التي تُبعد القضايا عن القضاء، ما يترك النساء دون حماية فعلية، ويحمّل المجتمع المدني عبئًا يُفترض أن تتحمّله المؤسسات الرسمية.
أمام هذا الواقع، ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وتصاعد العنف داخل الأسر، تتبدّى فجوة عميقة بين حجم الاحتياجات وقدرة منظومات الحماية على الاستجابة. فغياب تدخل اقتصادي ونفسي وقانوني عاجل لا يهدد كرامة النساء والأطفال في غزة فحسب، بل يتركهم في مواجهة يومية مع عنفٍ بلا مسارات واضحة للنجاة أو الإنصاف.
(*) أسماء مستعارة


