تضع أفنان أحمد (*) رأسها على وسادتها، وتبكي بكاءً لم تختبره من قبل، بينما تعصف الرياح بخيمتها الصغيرة، ويتطاير سقفها مع كل هبّة، كأنّ الطبيعة نفسها تشاركها فقدان التوازن. مع كل زوبعة، تشعر بأنّ قلبها يُنتزع من مكانه. تحتضن طفليها اليتيمين بإحكام، كما لو أنّها تستمدّ منهما القوة التي فُرض عليها فجأة أن تمتلكها. لم تستوعب بعد أنّها صارت أرملة، وأنّ المسؤولية الأولى والوحيدة أصبحت على عاتقها.
فقدَت أحمد (30 عامًا) زوجها في يناير 2024، ومنذ ذلك اليوم، بدأت حياتها تنزلق من استقرارٍ شحيح إلى بؤسٍ مكتمل. بين النزوح والتجويع، قضت عامين تصفهما بعامي "القهر"، لم يكن فيهما القصف وحده ما يلاحقها، بل حربٌ أخرى داخل الحرب، مصدرها عائلة الزوج التي لم تكفّ عن مضايقتها والتدخّل في أدّق تفاصيل تربية أطفالها.
بينما تضع حاجياتها في حقائب استعدادًا لمنخفضٍ جوي جديد؛ خشية أن تخترق الأمطار خيمتها، تقول بصوتٍ مُنهك: "يقهرني لقب أرملة. منذ غياب زوجي وأنا في معاناة لا تتوقف. بالكادّ أستطيع تلبية احتياجات أطفالي الاثنين. عندما يمرضون، أركض بهم إلى المشفى وحدي، وهناك أشعر كم أفتقد وجود زوجي في حياتي".
تمسح دمعة طالما حبستها، وتضيف أنّها سئمت المضايقات النفسية المتواصلة من عائلته، التي تضغط عليها من كل اتجاه، وتتركها في مواجهة هشاشتها كامرأة وحيدة، بلا سند عائلي قريب، إذ تقيم عائلتها خارج غزة. لا ترى أفنان أي بصيص أمل في واقعها الحالي. هي مسؤولة عن طفلين لم يتجاوزا العاشرة.
بصوتٍ متحشرج تتابع: "أعيش أزمة نفسية وأنا لوحدي. أعافر لتأمين كل شيء لأطفالي. في الليل، أبقى أنظر إليهم، أفكر في الغد، فينقبض قلبي. أفتح صور زوجي وطفلتي التي فقدتهما، وأبكي… بكاء الفقد، وقهر من حولي لي".
تعاني أرامل غزة عبئًا مضاعفًا بعد فقدان الشريك، في وقت كنّ فيه بأمسّ الحاجة إلى الدعم. حربٌ امتدّت لعامين، سلبتهنّ الأمان والاستقرار ومقومات الحياة، واستنزفت طاقتهن حتى أقصى حدودها. فالترمّل هنا لا يعني الفقد وحده؛ بل يمتدّ ليطال كل تفاصيل الحياة اليومية في ظلّ النزوح والتشريد والتجويع.
وبحسب تقارير محلية رسمية، من بين 1.1 مليون امرأة في قطاع غزة، و546 ألفًا في سن الإنجاب (15–49 عامًا)، أصبحت 13,901 امرأة أرامل نتيجة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025).
تتمحور حياة الأرملة في غزة، بعد فقدان الزوج، حول مساحة ضيقة، خيمة أو منزل متضرر، وأطفال يحتاجون لكل شيء. تتحمل أدوارًا متداخلة: أمًّا وأبًا، داعمة نفسية، وصاحبة القرار في اللحظات المصيرية، وعاملة تثبّت الخيمة بالأخشاب والشوادر، وطاهية، ومرافق لرياض الأطفال والمدارس، ومعلمة في الوقت نفسه.
فاطمة الشيخ علي فقدت زوجها في ديسمبر 2024، وبعد أيام قليلة من رحيله، اكتشفت أنّها حامل بطفلٍ كان زوجها يحلم أن يراه، بعد أن أنجب ثلاث بنات. حملٌ ضاعف عبء المسؤولية: طفل سيولد بلا أب، وبنات سيتقاسمن مرارة اليتم.
تقول بعينين باكيتين: "عشت أشهر الحمل بصعوبة. صحتي النفسية انعكست على جسدي، أرق، صداع، إنهاك. وبعد أن أنجبت، زادت المسؤوليات. لا خيار لدي سوى ألا أنهار".
تحاول الشيخ الاعتماد على بناتها، وأكبرهن في العاشرة، لتيسير بعض شؤون المنزل، لكنّها تبقى متوترة حين تضطر لإرسالهن إلى السوق، فتقلّل من ذلك قدر الإمكان، وتتحمَّل وحدها عبء توفير المستلزمات، تاركة الرضيع مع شقيقاته.
تضيف وهي تتفقد غرف المنزل بعد ساعات غياب الأطفال: "منذ رحيل زوجي إبراهيم، أعاني الارتياب والشك. أعود إلى البيت فأفتشه كاملًا خوفًا من أن يكون اقتحمه أحد في ظلّ الفوضى التي يعيشها قطاع غزة تحت وطأة الحرب. الأرق يلازمني، ولا يتوقف عقلي عن التفكير، وازداد خوفي كثيرًا بعد غيابه".
في الليل، تجد فاطمة مساحة لترتيب أفكارها: تنظم مسؤولياتها، تراجع دروس أطفالها، وتحاول كبح انفعالاتها كي لا تنعكس على نفسيتهم، رغم شعورها بأنها بحاجة ماسّة لمن ينتشلها من حزنٍ لا حدود له.
أما نيرمين شعث (22 عامًا)، فقد صفعتها الحياة وهي في آلام المخاض عام 2025. في يومٍ واحد، استُهدف منزلها، أُصيبت إصابة بالغة أدت إلى بتر قدمها، وفقدت جنينها وزوجها، لتُصبح أرملة في بداية زواجها وعمرها.
تقول بصوتٍ متكسر: "أرى نظرات الشفقة في عيون الناس. تمنيت أن يكون لي طفل يؤنس أيامي، يكون امتدادًا لوالده. لكني بقيت وحدي، فعرفت معنى اليتم الحقيقي".
سافرت نيرمين إلى القاهرة للعلاج، لتعيش فقد الزوج والولد والوطن معًا، إضافة إلى الفقد الأعظم الذي سيلازمها طوال حياتها وهو بتر قدمها. تحاول التكيّف مع المجهول، وتتحمل مسؤولية تفوق طاقتها.
تروي وهي تنظر إلى صورة زوجها الراحل: "حين يحلّ الليل، أراه. يبدأ السكون وتبدأ الهموم. أعاني اضطرابات نوم واضحة. أحاول التعافي بإكمال دراستي عبر الإنترنت. أتمسك بالأمل لأعيش بشكل طبيعي… لم أنجح بعد، لكني ما زلت أحاول".
على نحوٍ مُشابه، تحتضن هبة عماد (38 عامًا) أطفالها بعد نوبة انهيار عاشتها معهم، عقب فقدان زوجها في 2024. أصبحت مسؤولة عن ثلاثة صبيان وابنة، وعن اتخاذ كل القرارات وحدها، بعدما كانت حياتها قائمة على الشراكة.
تقول وهي تجفف دموعها وتنظر إلى باب الخيمة: "أخاف الصمت. منذ رحيل زوجي، لا أخطط. نعيش بلا أفق، لذلك أترك الحياة تمضي بلا خطة".
تقاوم عماد آلامها النفسية بصمت، تحارب النوم خوفًا من الغد، تقلق على صحة أطفالها وتعليمهم، وتستمدّ منهم القوة. تحرص على الاحتفال بأعياد ميلادهم، كنوع من المقاومة النفسية لهم ولها.
بلغة الأرقام، أظهرت ورقة بحثية صادرة عن مركز شؤون المرأة في غزة، شملت عينة من 300 أرملة، أنّ 89% منهن يعانين الاكتئاب والصدمات النفسية، و40% يحصلن على الغذاء أحيانًا فقط، و9% لا يحصلن عليه يوميًا، فيما تعاني 88% صعوبة الوصول إلى دورات المياه، و70% نقصًا في الاستحمام الكافي.
كما تشير التقارير إلى أنّ 78% من الأرامل لا يمتلكن سكنًا ثابتًا، ويعشن في مراكز إيواء أو لدى أقارب، مع فقدان شبه كامل للخصوصية، وأن 89% يعانين فقرًا مدقعًا بعد فقدان أزواجهن.
ووفق نتائج برنامج الدعم النفسي الذي يُقدّمه مركز شؤون المرأة، فإنّ أكثر الأزمات الصحيّة شيوعًا بين الأرامل هي الاضطرابات السيكوسوماتية "أمراض جسدية مرتبطة بالحالة النفسية" مثل الأمراض الجلدية، التهابات الكبد، وآلام المعدة والقولون.
المختصة النفسية نورا أبو عيطة، توضح أنّ الأرامل يعشن حالة نفسية مركبة نتيجة الفقد الصادم، إذ يضعهن هذا التحول القسري أمام ضغوط متراكمة تشمل الحزن العميق، القلق المستمر، والإرهاق الناتج عن تعدد الأدوار. مشيرة إلى أنّ عبء المسؤولية المفاجئ يولد مشاعر العجز، وفقدان الأمان والسند، ويتضاعف الأثر لدى من لديهن أطفال.
وتؤكد أبو عيطة أن الدعم النفسي الفعال يبدأ بتوفير مساحات آمنة للتفريغ، وتعزيز الشعور بالكفاءة، وأن الدعم الجماعي يسهم في حماية الاستقرار النفسي للعائلة والأبناء.
في غزة، تواصل النساء الأرامل حمل هذا الثقل. يواجهن الحياة مرة بالأمل، ومرة بالتوقف المؤقت لإعادة ترتيب ما تبقى. يفكرن في الغد، فيتراجعن خطوة خوفًا، ثم يعدن للمضيّ قدمًا بالصبر، في مواجهة مجتمعٍ يضيّق عليهن أحيانًا، ويفرض عليهن أدوارًا لم يخترنها، فيما لا يتوقفن عن محاولة التعافي، يومًا بعد يوم.
(*) أسماء مستعارة


