يقفز يحيى النجار (28 عامًا) من على كرسيه البلاستيكي فور تسجيل الهدف. يرفع ذراعيه عاليًا، يصفق، ويهتف بحماسة لا تخطئها العين. تلمع عيناه تحت ضوء الشاشة، وتتسع ابتسامته كما لو أنّ العالم تقلّص فجأة إلى هذه اللحظة وحدها: كرة تعانق الشباك، وصوت معلّق يعلو فوق كل شيء.
في تلك اللحظة، يبدو النجار كأنّه خرج ولو قليلًا من تحت ثقل الأيام، من ضغط العيش كنازح في قطاع غزة، ومن إرهاق القلق الذي يلازمه منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023.
لا ينتبه لمن حوله. ينحني إلى الأمام كلما تسارع اللعب، ويصرّ على الجلوس في الصفوف الأولى، قريبًا من الشاشة، كما لو أنّ هذا الضوء المعلّق في المقهى يمنحه فسحة مؤقتة خارج ازدحام المخيمات وضيق الواقع.
يقول إن هذا المشهد يعيده إلى حياة سبقت النزاع؛ حياة كان فيها المقهى مكانًا عاديًا، لا ملجأً نفسيًا، وكان الفرح احتمالًا واردًا، لا استراحة نادرة بين قلقين.
خلال الاستراحة بين الشوطين، في مباراة من كأس العرب، يوضح بهدوء: "قبل الحرب، كنا نتابع المباريات أحيانًا في المقاهي. أما اليوم، أبحث عن أي إحساس يذكّرني بالماضي. كوب قهوة، شاشة، أصوات تهليل… هذه التفاصيل الصغيرة تجعلني أشعر أنني خرجت قليلًا من تحت الحمل. أدفع خمسة شواكل للمشاهدة فقط، والمشروب له حسابه، لكنني أدفع لأجل الشعور، لا لأجل المباراة بحدّ ذاتها".
يرى هذا الشاب في متابعة كرة القدم نافذة مؤقتة يتنفس منها مشاهدوها في غزة. لساعتين، تتراجع وطأة تدّاعيات الحرب على نفسه خطوة إلى الخلف، وتخف وطأة التفكير، ويحلّ مكانها انفعال نقي: غضب، فرح، خيبة، ثم ضحك.
يقول: "أحرص على إنجاز كل المهام المنزلية قبل المباراة، تعبئة المياه، تكسير الحطب، إشعال نار الطهي، حتى أسمح لنفسي بهذه الاستراحة"، مشيرًا إلى أن المقهى لم يكن فقط مساحة مشاهدة، بل مكانًا التقى فيه أناسًا أثقلتهم الفاقة، فصار يساعد بعضهم من خلال عمله التطوعي في المجال الإنساني الخيري.
عند نهاية المباراة، يعود الشاب النجار إلى الغرفة التي استأجرها مع والديه في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة. يتأمل سقف "الزينكو"، ويستمع إلى صوته حين تضربه الرياح. هنا، يدرك أن خروجه كان جزئيًا فقط. تنتهي المباراة، ويعود الواقع بثقله المعتاد. الصراع مع الأفكار لا صافرة له.
يتكرر هذا المشهد، بتفاصيل متشابهة، في أكثر من مقهى داخل القطاع. فمنذ أكتوبر 2023، تضرّر أو دُمّر أكثر من 260 منشأة رياضية في غزة، وتوقفت الأنشطة الرياضية شبه كليًا، بينما تحوّلت ملاعب كثيرة إلى مراكز إيواء للنازحين. في هذا الفراغ، صارت شاشات المقاهي ملاذًا بديلًا للشباب، ومساحة جماعية نادرة تمنحهم إحساسًا مؤقتًا بالحياة الطبيعية.
سلطان عدوان (50 عامًا)، الحاصل على الدكتوراه في الإعلام الرقمي ورئيس تحرير شبكة رياضية، كان يتابع الكرة يومًا بعين الناقد. لكنه اليوم، يتابعها بعين الباحث عن فجوة في العاصفة. يقول: "بعد الحرب تغيّر كل شيء، لم أعد أشاهد لأجل التحليل. أشاهد لأخرج قليلًا من دائرة التفكير في النزوح والطعام والخوف. نجتمع معًا، ونقف تحت شاشة واحدة، كأنها سقف مؤقت".
يفضل عدوان مشاهدة المباريات في مقهى قريب من خيمته في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة. ينكمش في مقعده بعد هدف في مرمى فريقه المفضل، ثم يبتسم. يردف: "مشاعري ما زالت كما كانت، الحرب لم تنتزع حبي للكرة، لكنها تمطر فوقه دائمًا. بعد أن تُطفأ الشاشة، أعود إلى خيمتي، حيث الرمال وصوت الرياح، وكأنني خرجت للحظة ثم عدت".
هل تمنحه الكرة إحساسًا طبيعيًا بالحياة؟ يجيب بلا تردد: "نعم. حتى لو كان مؤقتًا. هو هروب، لكنه ليس نجاة. هو استراحة قصيرة داخل جحيم مفتوح. ومع ذلك، أُصرّ عليه".
كثيرون انقطعوا عن متابعة كرة القدم في بدايات الحرب. لم تسمح أوضاعهم النفسية، ولا الإنترنت، ولا الظروف المحيطة. أحمد حسن واحد منهم. عاد تدريجيًا، مع أصدقائه، إلى المقاهي. يشرح: "بمجرد دخولي المقهى، أشعر أنني تركت الحرب خارج الباب. أنسى ما خلف الشاشة، ولو لساعتين".
لكن هذا النسيان هش. يروي أنه في إحدى المرات، دوّى قصف قوي أثناء متابعة مباراة. ساد الصمت، بينما ظلّ صوت المعلّق يخرج من الشاشة. يتابع: "بعد ثوانٍ عاد الناس للكلام. لم أغادر. الكرة هنا لا تُشاهد فرديًا، بل جماعيًا، كأن الشاشة تجمعنا حين يتفكك كل شيء حولنا".
في زاوية المقهى، تجلس امرأة في أواخر الثلاثينيات، لا تهتف ولا تصفق. جاءت برفقة شقيقها، تشاهد الشاشة بصمت. تقول إنها لا تعرف الكثير عن العالم الكروي، لكنها تحب الجلوس بين الناس. بعد نهاية المباراة، تغادر سريعًا، قبل أن يزدحم المكان.
في مقهى صغير بدير البلح وسط القطاع، يجلس محمد ناصر (30 عامًا)، مصمم جرافيك يعمل عن بُعد. يبقى طوال اليوم بسبب ضعف الإنترنت في البيت. مع حلول المساء، يتحوّل المكان إلى تجمع للمباريات.
يقول: "أبقى لأجل الاستئناس بالناس. ولأجل لحظة أصدق فيها أن الحياة تمشي". ثم تنقطع الكهرباء فجأة، وتسود العتمة، ويعلو صوت مولّد متردد، فتنطفئ الشاشة، ويعود المكان إلى صمته الثقيل.
أبو محمود ناجي، صاحب المقهى، يرى في هذه التجمعات استراحة أكثر منها تجارة. يقول وهو يرفع كراسي البلاستيك بعد انصراف الزبائن، كمن يطوي مظلة استُخدمت أكثر مما تحتمل: "يكفيني أن أرى الناس تضحك".
على الصعيد النفسي، تشرح المختصة نورا أبو عيطة أن مباريات كرة القدم تعمل كآلية تحويل انتباه، تسمح للأفراد بالخروج مؤقتًا من دوائر التوتر. تشرح: هي لا تُنهي الأزمة؛ كنها تمنح مساحة احتماء جماعي، يشعر فيها الناس بالانتماء والسيطرة ولو لوقت قصير".
وسط حرب أدت منذ أكتوبر 2023 إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح الغالبية العظمى من سكان القطاع، ومع تآكل شبه كامل للحياة العامة، تبدو شاشة كرة القدم واحدة من آخر الأسقف المضاءة في مدينة بلا أسقف.
في غزة، لا تُشاهد كرة القدم بوصفها مباراة تنتهي بصافرة، بل كملاذٍ مؤقت داخل يوميات قاسية. بعد انطفاء الشاشة، يبقى كرسي فارغ في الصف الأول، وكوب قهوة لم يُشرب حتى آخره، ويخفت صوت المولّد تدريجيًا.
في هذه البلاد الحبلى بالنزاعات والصراعات، لا تكاد المزاريب تتوقف عن سكب ما تختزنه الأسطح، تمامًا كما لا تتوقف الحياة عن اختبار قدرة الناس على الاحتمال. من مرّوا من هنا يعرفون أنهم، ولو لبرهة، احتموا داخل المقهى، لا لأن العاصفة انتهت، بل لأن شاشة صغيرة منحتهم سببًا إضافيًا للاستمرار… ثم يكملون السير.


