نساء غزة بين وصاية بلا قانون وعنف غير مرئي

نساء غزة بين وصاية بلا قانون وعنف غير مرئي

في المساحة الصغيرة أمام خيمة متهالكة، تجد سمية أيمن نفسها في نقاش متكرر مع والدتها، لا يبدأ صاخبًا، لكنه ينتهي دائمًا عند العبارة ذاتها: "لا مساحة من الحرية أبدًا… حتى في البكاء أو الضحك".

لا يعكس ضيق سمية غضبًا عابرًا، بقدر ما يكشف شعورًا متراكمًا بالاختناق، كأن حياتها باتت محكومة بإطار غير مرئي. فالحرب التي سلبتها بيتها، أعادت ترتيب يومياتها تحت رقابة لا تقتصر على العائلة وحدها، بل تمتد إلى المحيط كله.

قبل النزاع، كانت أيمن "27 عامًا"، تمتلك هامشًا محدودًا يسمح لها بإدارة تفاصيل حياتها اليومية. لكن بعد تدمير منزل العائلة في خانيونس جنوب القطاع، والانتقال للعيش في مخيم يضمّ عدة عائلات، تبدّل هذا الهامش كليًا. تشدَّدت متابعة والدتها لها ولشقيقتها، وصارت أبسط التصرفات، الخروج، الحديث، وحتى الضحك، محسوبة بدقة.

تعيش والدة سمية، وهي امرأة مطلقة، مع بناتها وحدهن. وكلما طالبن بمساحة أوسع أو تجاهلٍ للنظرة السائدة في المخيم، جاء الرفض حاسمًا. في ذهن الأم، يُختزل كل سلوك بسؤال واحد: "ماذا سيقولون عني وأنا مطلقة؟". ومع الوقت لم يبقَ هذا الهاجس حبيس الفكرة، لكن انعكس في تشديدٍ دائم، وكلمات قاسية، وحدود لا تتسع.

تتنهد سمية وهي تقول: "سئمت التحكم، ومللت من نظرة أمي لنا ومن نظرة المجتمع. الحرب سحقتنا من كل النواحي. هنا في المخيم كل شيء قابل لسوء التفسير، حتى الابتسامة. أُحاسب على ضحكتي داخل خيمتي، وهذا انعكس على نفسيتي، ثم على صحتي الجسدية".

 ما تعيشه هذه العائلة يتجاوز تجربتها الشخصية في مجتمع بات يحاكم المرأة سواء أكانت عزباء، أو مطلقة، أو أرملة، وفق منظومة من الوصمة الاجتماعية التي تُلاحقها في أدق التفاصيل: الكلمة، الحركة، النظرة، وحتى الصمت. في مخيمات النزوح والبيوت المشتركة، تتكثّف هذه الرقابة وتصبح أكثر حضورًا، إذ تُخضع تفاصيلهن اليومية للتأويل والمساءلة. وفي فضاءات النزوح والعيش المشترك، تتضاعف هذه النظرة، لتتحول الأمكنة المؤقتة إلى ساحات مراقبة، يُعاد فيها التفكير بكل حركة قبل الإقدام عليها. 

ومع ذلك، تُلقى على عاتق كثير من النساء مسؤولية إعالة أسر كاملة، من دون أن يخفّف ذلك من حدّة الرقابة عليهن. فإلى جانب ضغط الحرب، يخضن صراعات أخرى لتأمين لقمة العيش، ولمواجهة مجتمع لا يمنحهن ثقةً بقدر ما يفرض عليهن الوصاية. ووفقًا لبيانات صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإنّ نحو 57 ألف أسرة في غزة ترأسها نساء، فيما تُقدِّر جهات محلية أعداد النساء العازبات المسؤولات عن إعالة عائلاتهن بما بين خمسة آلاف وسبعة آلاف امرأة.

في مشهدٍ لا يقلّ قسوة، تقف نجوان سلمان، "33 عامًا"، أمام المرآة، تتأمل آثار أصابع والدها التي ارتسمت على وجهها بعد أن فاجأها بلطمة أسقطتها أرضًا. السبب كان تأخرها عن العودة إلى الخيمة بعد دوامها في المركز التعليمي الذي تعمل فيه معلمة، لتساعد في إعالة أسرتها المكونة من ستة أفراد.

تقول وهي تحاول إخفاء الاحمرار: "لست معتادة على التأخر. أنهي دوامي الساعة الثالثة عصرًا، ويجب أن أكون في الخيمة بعد نصف ساعة. في ذلك اليوم، احتفلت المعلمات بعيد ميلاد إحداهن، وأصررن على بقائي. حاولت التبرير لوالدي، لكنّه لم يمنحني فرصة، فكل ما كان يشغله: ماذا سيقول الناس عني".

تتحدث سلمان عن انتهاك مستمر لخصوصيتها داخل المخيم، وعن تحرش لفظي تواجهه بالصمت خوفًا من العواقب: "إخبار والدي لن يغيّر شيئًا، بل سيقود إلى مزيد من التضييق، وسأكون أنا المتهمة دائمًا". وتشير إلى أنّ خطوبتها انتهت لأنّ خطيبها كان يتعامل معها بأسلوب آمر ومتحكّم.

مرام محمد، 28 عامًا، ترى أنّ الحرب لم تُنتج هذه الرقابة، لكنها شددتها وعمّقت قسوتها. تقول: "كوني عازبة ومعاقة حركيًا يضعني في أسفل السلم الاجتماعي داخل المخيم. لا يُنظر إليّ كإنسانة لها حقوق، بل كعبء يجب مراقبته وتقييده حتى لا يخطئ. في المقابل، أرى أنّ الضغط أخف على الأرامل ولا يُعاملن مثل العازبات".

تعاني محمد من إعاقة حركية تجعل الأنظار تتبعها أينما ذهبت، حتى في طريقها إلى الحمام المشترك بين عدة عائلات. ورغم قدرتها على الذهاب وحدها، تضطر في كل مرة إلى مرافقة شخص، ليس لعجز جسدي، بل خوفًا من كلام الناس الجارح.

داخل الخيمة، تنعدم الخصوصية تمامًا. تسعة أفراد ينامون في مساحة واحدة، تشارك مرام شقيقتها الفراش، في وضع لا يراعي حاجتها النفسية ولا خصوصية جسدها. تقول إن الخوف من سوء الفهم يدفعها للتنازل عن أبسط حقوقها، خشية أن تُوصم بالتمرد أو إساءة الأدب.

تضيف بصوتٍ متحشرج: "يُفاجئني الجيران بالدخول إلى الخيمة دون استئذان. حتى المكالمة الهاتفية لا أستطيع إجراءها، لأن الجميع سيسمعني. الضحكة والحديث داخل حدود الخيمة يقابلهما توبيخ من شقيقي".

أما أمل أحمد، 39 عامًا، فقد انفصلت عن زوجها قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023 بأشهرٍ قليلة. كانت تعيش مع والدتها في شقةٍ خاصّة؛ ما أتاح لها هامشًا من الاستقلال. لكن النزاع غيّر هذا الواقع. باتت تحت رقابة مُشددة من أشقائها الثلاثة حيث يعيشون معًا، تُسأل عن وجهتها، ومرافقيها، ووقت عودتها، وتفاصيل يومها الصغيرة.

تقول بعصبية: "سئمت التحكمات. كل شيء أفعله مُعرَّض لسوء الفهم. إن ضحكت بصوت عالٍ أُوبّخ، وإن تحدثت مع جارة تُراجع تصرفاتي فورًا. وصلت إلى مرحلة بت أفكر فيها بالهروب والسفر بعيدًا عنهم".

هذه الشهادات على اختلاف تفاصيلها، لا تقف عند حدود الوقائع الشخصية، بل تعكس نمطًا أوسع من التعنيف والضبط الاجتماعي. وهو ما يتضح بجلاء عند الانتقال إلى لغة الأرقام. إذ أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2023 أن نحو 30% من النساء المتزوجات أو اللواتي سبق لهن الزواج في قطاع غزة تعرضن لعنف جسدي أو جنسي من قبل أزواجهن مرة واحدة على الأقل. 

في الفترة التي سبقت اندلاع القتال، كانت المؤسسات النسوية والحقوقية تتدخل في هذه القضايا ضمن إمكانيات محدودة، غير أن نشوب النزاع عطّل هذا الدور بالكامل. فقد دُمّر مركزا "حياة" و"بيت الأمان"، وهما من أبرز الجهات المعنية بحماية النساء، وتعذّر عليهما مواصلة العمل في ظلّ الواقع القائم.

كثير من النساء يجدن أنفسهن محرومات من الاستقلال الذاتي في أبسط تفاصيل حياتهن اليومية، من الحركة واتخاذ القرار، إلى إدارة الوقت والمساحة الخاصة، رغم أن الإطار القانوني الفلسطيني ينص صراحة على حماية الحرية الشخصية. وفي إطار بحثنا عن القوانين الفلسطينية التي تكفل حقوق المرأة، يبرز القانون الأساسي الفلسطيني بوصفه المرجعية الأوضح، إذ تنص المادة (32) على المساواة وعدم التمييز على أساس الجنس، وتؤكد حق الأفراد في الحماية من أي انتهاك لحقوقهم الأساسية.

غير أن هذه النصوص، على وضوحها، بقيت بعيدة عن التطبيق العملي، لا سيما في سياقات الحرب والنزوح والعيش المشترك، حيث تتآكل الحدود بين القانون والعرف، وتتقدم الوصاية الاجتماعية لتملأ الفراغ، فتغدو الحقوق المضمونة نظريًا بلا أثر فعلي في حياة النساء اليومية.

المحامية ماجدة شحادة، من وحدة المرأة في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تقول إن الحرب شددت الوصاية على النساء، وحولتهن في نظر الأهل والمحيط إلى تابعٍ لا كيان مستقل. وتشير إلى أن التدخل لم يتوقف عند السلوك، بل امتد إلى الأجساد والمساحات الخاصة، لتُعاد صياغة الأدوار الاجتماعية بشكل قسري.

وتوضح شحادة أن النزوح والعيش المشترك ألغيا عمليًا خصوصية النساء، في ظل غياب منظومة حماية فاعلة. ورغم تدخلات محدودة من بعض مسؤولي المخيمات والمخاتير، بقيت الجهود شكلية، ما أتاح تجاوزات مباشرة على حقوق النساء، فيما ظلّت القوانين الضامنة للحرية بلا تطبيق، وتفاقمت الوصاية بفعل عدم الاستقرار وكثرة الاحتكاك.

من منظور نفسي، تشير المختصة عروب جملة إلى أن وضع النساء تحت رقابة اجتماعية دائمة، بغضّ النظر عن حالتهن الاجتماعية، يُعدّ ضغطًا مستمرًا يستنزف طاقتهن النفسية. 

وتؤكد جملة أن هذا النوع من الملاحقة لا يوفر حماية بقدر ما يفاقم الشعور بالقلق والعزلة، ويترك أثره على الصحة الجسدية أيضًا، حيث رُصدت حالات إصابة بأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، مرتبطة بالتوتر والحزن المتراكمين.

وفي هذا السياق، تدعو جملة النساء إلى التمسك بالثقة في تصرفاتهن، وعدم الانصياع للرقابة غير المبررة، ومواجهة أي تشكيك أو تعدٍ، مؤكدة أن الدعم الاجتماعي ووجود مؤسسات متخصصة يشكلان عنصرين أساسيين في الحماية والتمكين.

في غزة، لا تعيش النساء حربًا واحدة فقط. فإلى القصف والنزوح والفقد، تُضاف حروب صامتة تُخاض داخل الخيام والبيوت المؤقتة. تتحول الرقابة الاجتماعية إلى شكل آخر من أشكال العنف، لا يترك جراحًا مرئية، لكنه يراكم ندوبًا عميقة. وما يُمارَس باسم الحماية لا يحفظ المجتمع، بل يدفعه أكثر نحو التفكك والانهيار.