على شاطئ مدينة غزة، يقف أحمد جعفر، 36 عامًا، ممسكًا بسنارته، يحدّق في الأفق حيث يلتقي البحر بالسماء. أداة تعلّمها طفلًا من أقربائه، وظلّ وفيًّا لها خمسةً وعشرين عامًا، عبر مواسم رخاء قصيرة وحروبٍ طويلة قبل أن يتحول اليوم إلى طقس يومي يحاول من خلاله استعادة شيء من الاستقرار الداخلي وسط واقع اقتصادي ونفسي يزداد قسوة.
قبل الحرب الأخيرة، كان جعفر يبدأ يومه مع ضوء السادسة صباحًا، ولا يغادر الشاطئ قبل أن يميل المساء إلى السكون. لم يكن البحر مصدر رزقٍ فحسب؛ كان ملاذًا تُنسى عنده ضوضاء الداخل. يقول: "عندما أفتح السنارة وأصطاد السمك، أنسى كل مشاكل الدنيا وأسرح مع البحر، يُمكِن أن أغيب يومًا كاملًا وأنا أصيد".
اليوم، تغيّر المشهد. جعفر نازحٌ من الشجاعية شرق مدينة غزة إلى منطقة الميناء غربًا، يعيش مع أسرته المؤلّفة من ثمانية أفراد، وزوجته الحامل. فقدَ سنارته أثناء النزوح، واشترى أخرى، لكن ما لم يفقده، هو الإصرار على العودة إلى الشاطئ.
يصف الصيد بالسنارة بأنّه أكثر من دخلٍ محتمل؛ هو هويةٌ وتنَفُّسٌ اجتماعي، مساحةٌ صغيرة للسيطرة حين يفيض الواقع بالضغوط المعيشية. يردف: "حتى في أصعب الأوقات، أجد نفسي مرتبطًا بالبحر، أنسى كل شيء وأستمتع".
مع انكسار الضوء بعد المغرب، يبدأ الشاطئ باستقبال وجوهٍ مألوفة. رجال يصلون فرادى، يحملون سناراتهم بصمت، كأنهم يعرفون الموعد غير المكتوب. في هذا التوقيت تحديدًا، تهدأ الشوارع وتزداد الحركة داخل البيوت؛ حيث تتكاثف الأسئلة: ماذا نطبخ؟ ماذا نشتري؟ كيف نُدبّر الغد؟ على الشاطئ، تتراجع هذه المطالب قليلًا، ويصبح الوقت نفسه جزءًا من النجاة، لا مجرد خلفية للصيد.
هنا، لا يعود الصيد فعلًا فرديًا بقدر ما يتحوّل إلى لغة مشتركة. على امتداد شاطئ غزة، تحمل السنارات المعنى نفسه: محاولة للنجاة النفسية في ظلّ الحصار، والفوضى الاقتصادية، وانسداد الأفق. تتحوّل الهواية إلى وسيلة للتواصل مع الطبيعة، وإعادة ترتيب النفس بعيدًا عن أخبار الحرب الثقيلة وضغوط المعيشة والطلبات اليومية التي لا تنتهي.
غير أنّ الخروج إلى البحر لا يُقال دائمًا بهذه الصراحة. في كثير من البيوت، يُقدَّم الصيد بوصفه "هواية"، تبريرًا مقبولًا للغياب المسائي، لا هروبًا من مسؤولياتٍ لا يمكن الإيفاء بها. فحين يعجز الرجل عن تلبية الطلبات اليومية، يصبح الصمت أقل قسوة من الاعتراف، ويغدو الصيد في البحر مكانًا آمنًا للاختفاء المؤقت من أسئلة لا يملك لها إجابات.
رمسيس محمد ثابت، 46 عامًا، واحدٌ منهم. متزوّج وأب لثلاثة أطفال، فقدَ منزله في مخيم النصيرات، ويقيم الآن عند والدة زوجته. يعمل مهندسَ صوتٍ في إذاعةٍ محلية برواتب زهيدة لا تكفي مصاريف الأسرة. وجدَ في الصيد ملاذًا صامتًا. يقول: "ليس مجرد تسلية، بل وسيلة لإعادة ترتيب نفسي. الجلوس على البحر يمنحني شعورًا بالراحة، ويعيد لي الإحساس بالقدرة على الاستمرار".
أما ربحي الخطيب، 52 عامًا، فقد أمضى خمسةً وعشرين عامًا في الصيد. البطالة والوضع الاقتصادي القاسي دفعاه إلى الشاطئ بحثًا عن لقمةٍ وهدوء. يروي: "حتى لو لم أصطد الكثير، مجرد الوقوف على الشاطئ ومحاولة الصيد يعطيني شعورًا بالصبر".
تحوّلت السنارة لديه إلى أدّاة نفسية لمواجهة القلق والخوف وفقدان العمل. وأحيانًا حين تصادفه سمكة كبيرة، يحتفل مع أبنائه على الرمل، فوجبة صحية صغيرة تُقوّي الروابط العائلية وتُخفّف ثِقل الأيام. يضيف بصوتٍ مثقلٍ بالوجع: "رغم بساطة الصيد، يمنح شعورًا بالسيطرة والطمأنينة وسط واقعٍ مضطرب، ويتيح الهروب المؤقت من الأخبار المحبِطة".
في المقابل، ترى بعض النساء في هذا الغياب عبئًا إضافيًا، إذ تُترك مع الأطفال والقلق وحدها، بين تفهّم الحاجة للهدوء، والخوف من أن يتحوّل البحر إلى مهرب دائم.
في هذا السياق، يبدو الصيد بالسنارة "مهرَبًا نفسيًا" متاحًا وبسيطًا، قادرًا، ولو لوقتٍ قصير، على إعادة شيءٍ من السلام الداخلي. الحاجة إليه تتغذّى من أرقامٍ قاسية: البطالة في قطاع غزة بلغت مستويات غير مسبوقة، نحو 80%، وفق تقريرٍ مشترك لمنظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بعد تدميرٍ واسعٍ لسوق العمل وفقدان آلاف الوظائف.
الفقر بدوره تمدّد حتى لامس الجميع. تقارير البنك الدولي تُظهر أنّ معظم سكان القطاع باتوا تحت خط الفقر، بمستويات اقتربت من 100%، مع انهيار الاقتصاد وارتفاع الأسعار وتراجع الدخل، فيما انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 83%، مُقلّصًا النشاط الاقتصادي إلى حدوده الدنيا.
وسط هذا الثقل، تشرح الأخصائية النفسية روضة حلس أنّ اللجوء إلى الصيد لا يعني إنكار الواقع، بل خلق مساحة هروب آمنة؛ لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب المشاعر بعيدًا عن مصادر التوتر. البحر، كما تصفه، ليس مكانًا فحسب، بل بيئةٌ نفسيةٌ متكاملة: الاتساع، الصوت، الأفق المفتوح، وهي عناصر تُخفّض القلق وتحسّن المزاج، وتفسّر تحوّل الجلوس على الشاطئ إلى طقسٍ شبه يومي لبعض الناس.
تذهب حلس أبعد، فتعتبر الصيد بالسنارة شكلًا من العلاج النفسي غير المباشر، لما يجمعه من هدوء وتركيز وتأمّل، وهي مكوّنات تستخدمها مدارس علاجية لتنظيم الأفكار وتخفيف الضغط. لكنها تميّز بين هروبٍ سلبيّ يفضي إلى الانسحاب، وهروبٍ إيجابيّ، كالوجود في الطبيعة، الذي يمنح استراحةً مؤقتة تعيد الانسجام النفسي وتُخفّف حدّة الضغوط.
في واقعٍ يطغى عليه العجز، تمنح هذه الممارسة إحساسًا بالإنجاز والسيطرة، حتى لو كان محدودًا. كما أن أثرها الاجتماعي حاضر: التشارك في المكان، والحديث العابر مع صيادين آخرين، يخفّف العزلة ويعزّز الانتماء. أما طقوس الانتظار والصمت والتركيز، فتشبه تمارين التأمّل، حيث يبطؤ العقل وتخفّ الأفكار المتزاحمة، لتنشأ مساحة داخلية للراحة.
تحذّر حلس من خطرٍ واحد، وهو أن يتحوّل الهروب إلى الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الضغوط، فيقود إلى الانعزال وتجنّب الحلول الواقعية. تقول يجب أن يبقى الصيد نشاطًا داعمًا لا بديلًا عن المواجهة الصحية. وتختم برسالةٍ واضحة: "البحث عن متنفس نفسي أمر صحي وطبيعي، لكن إدارة هذه المساحات بوعي، دون تحويلها إلى عزلة دائمة، هي ما يصنع الفرق الحقيقي في الصحة النفسية".
على الشاطئ، تظلّ السنارات منصوبة. تنتظر سمكةً محتملة، أو على الأرجح لحظة هدوءٍ كافية ليعود أصحابها إلى حياتهم بأثقالٍ أقل، حتى لو بقيت الأسئلة ذاتها في انتظارهم.


