عند التاسعة ليلًا، يمسك محمد عزام (30 عامًا) بشبكته التي نجت من الحرب، ويسير باتجاه البحر مستعينًا ببطارية صغيرة يتسرّب منها ضوء خافت بالكادّ يُضيء الطريق. يركب قاربًا متهالكًا لا يصلح للصيد، ويجدف بقطعة خشبية ليبتعد قليلًا عن الشاطئ، آملًا أن يعود بكمية من السمك تكفي لإعالة أسرته، وأن ينجو من القصف الإسرائيلي الذي لا يفرّق بين البحر واليابسة.
دخل عزام عالم الصيد في سن الحادية عشرة، وتعلّم مع الوقت أسرار البحر والتعامل الحذر مع الشباك. غير أنّ الحرب بدّلت علاقته بالمكان. لم يعد البحر مساحة مألوفة، بل منطقة اختبار يومي بين الخوف والتحدي، وبين أمل هشّ في لقمة عيش تأتي بشقّ الأنفس.
يقول عزام، وهو يستعد للإبحار من على الشاطئ: "طوال سنوات عملي في الصيد، لم أرَ تغيّرًا كهذا. اختفت الأنواع التي كنّا نعرفها، وظهرت أسماك جديدة أقلّ جودة، وكأن البحر لم يعد البحر نفسه. اليوم نخرج للصيد من دون يقين، بعدما قيّدت المسافات وتبدّلت طبيعة الصيد بالكامل".
منذ بدء النزاع في أكتوبر 2023، تقلّصت مساحة الصيد من 6–15 ميلًا بحريًا إلى نحو 0.25 ميل فقط، مع استهداف متكرر للمراكب، ما جعل رحلات صيد لا تتجاوز ساعتين إلى ثلاث يوميًا مخاطرة مباشرة على حياة الصيادين. هذا الحصر القسري دفعهم إلى العمل في نطاقات ساحلية ضيّقة، هي الأكثر تلوّثًا بتصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، لتتضاعف المخاطر بين تهديد أمني مباشر وتدهور بيئي يطال الأسماك وجودتها ومصدر رزق الصيادين.
أدى تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة إلى البحر إلى تلويث المناطق الساحلية التي حُصر فيها الصيادون، ما انعكس على سلامة الأسماك وصلاحيتها للاستهلاك، وتسبّب في تقلّص المخزون السمكي وتغيّر توزيعه، بحسب شهادات الصيادين، الأمر الذي أضرّ مباشرة بدخلهم واستدامة عملهم.
في هذا السياق، لا يظهر تغيّر المناخ بوصفه سببًا منفصلًا للأزمة، بل عاملًا يضاعف آثار التلوّث القائم ويحدّ من قدرة البحر على التعافي. إذ تشير قراءات بيئية إلى أن ارتفاع درجات حرارة مياه البحر يسرّع تكاثر البكتيريا ويخفض مستويات الأكسجين، فيما تؤدي طبيعة بحر غزة الساحلية والضيّقة إلى بطء تجدد المياه، ما يُبقي الملوّثات لفترات أطول قرب الشاطئ ويجعل آثارها أكثر حدّة مقارنة بالبحار المفتوحة.
ويرى الصياد محمد بكر أن مياه الصرف الصحي والملوّثات فاقمت أزمة البحر، في وقت لم يعد يُسمح للصيادين بالإبحار سوى لمسافة ربع ميل فقط.
يقول وهو يعرض حصيلة صيده الأسبوعي: "ما كنت أجمعه في يوم واحد أصبح يحتاج أسبوعًا كاملًا. التلوّث غيّر الشاطئ، وحصرنا في مناطق فقيرة بالسمك، فتراجع الصيد واختفى ما كنّا نعتمد عليه في رزقنا".
ووفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء، بلغ عدد العاملين في قطاع الصيد حتى عام 2022 نحو 5606 أشخاص، من بينهم 3606 صيادين. وغالبية هؤلاء فقدوا مصادر رزقهم بعد تدمير مراكبهم. وقبل الحرب، كان القطاع ينتج ما بين 4 إلى 5 آلاف طن من الأسماك سنويًا، مسهمًا بنحو 20% من الإنتاج المحلي، في حين تراجعت الكمية اليوم إلى نحو 2% فقط، نتيجة القيود الأمنية وتدهور البيئة البحرية.
في عرض البحر، يجدف إيهاب أبو الصادق (40 عامًا) بقطعتين خشبيتين صنعهما بيديه، بعد أن دمّرت الحرب جميع مراكبه. اضطر لصناعة قارب صغير والعمل لساعتين أو ثلاث يوميًا فقط، قبل أن يُجبره إطلاق النار من الزوارق الحربية الإسرائيلية على التراجع.
يقول وهو يجمع شباكه المهترئة ويضع خمسة كيلوغرامات من السمك في صندوقه الصغير: "السمك أصبح شحيحًا جدًا. يهاجر من الشاطئ إلى الداخل بسبب التلوث، وجزء منه ينفق. أصبح اصطياد كيلوغرام واحد معجزة".
تفاقم الخطر البيئي على بحر غزة بعد الحرب، إذ أدّى توقف محطات معالجة مياه الصرف الصحي إلى ضخّ المياه غير المعالجة مباشرة إلى البحر. وقبل ذلك، كان يُعالج ويُصرّف إلى البحر نحو 120 ألف لتر يوميًا من مياه الصرف الصحي ضمن مستويات أقل ضررًا، ما حدّ نسبيًا من حجم التلوّث دون أن يزيل آثاره البيئية، في حين بات التلوّث اليوم أكثر انتشارًا وحدّة على امتداد الساحل.
يقول المختص البيئي محمد مصلح إنّ هذا التلوّث، سواء الكيميائي أو الميكروبيولوجي، يدمّر النظم البيئية القريبة من الساحل، ويؤدي إلى ظاهرة "الإثراء الغذائي" نتيجة ارتفاع تركيز النيتروجين والفوسفور. وتؤدي هذه الظاهرة إلى تكاثر الطحالب واستهلاك الأكسجين، ما يخلق مناطق ميتة تُجبر الأسماك على الهجرة أو تؤدي إلى نفوقها.
ويضيف مصلح أن تغيّر المناخ يسهم بدوره في تدهور البيئة البحرية، إذ تؤدي ارتفاعات درجات الحرارة إلى تغيّر مواطن الكائنات البحرية وهجرة بعض الأنواع أو اندثارها، بينما تؤثر زيادة امتصاص المحيطات لثاني أكسيد الكربون على حموضة المياه، ما يجعل بعض البيئات غير صالحة للحياة.
كما أن تغيّر خصائص المياه، من حرارة وحموضة ومستويات أكسجين، لا يقلّص كمية الأسماك فحسب، بل يغيّر تركيبها النوعي، إذ تختفي الأنواع الحساسة بيئيًا وتبقى الأنواع الأقل قيمة غذائيًا والأكثر تحمّلًا للتلوّث، ما يفسّر شكاوى الصيادين من تراجع جودة الصيد لا كميته فقط.
وفي ظلّ هذا التداخل بين التلوّث وتغيّر المناخ، يحذّر مختصون من أن استمرار هذا المسار، حتى بعد توقف الحرب، قد يُبقي بحر غزة في حالة تدهور لسنوات، نظرًا للزمن الطويل الذي تتطلبه النظم البحرية للتعافي، والحاجة إلى استثمارات بيئية كبيرة لإعادة تشغيل محطات المعالجة وضبط مصادر التلوّث.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا يتجاوز اللحظة الراهنة: هل لا يزال بحر غزة قابلًا للتعافي؟ أم أن استمرار هذا المسار قد يدفعه إلى مصاف المناطق الساحلية المنكوبة بيئيًا، حيث يصبح الضرر طويل الأمد وربما غير قابل للعكس؟
كما ينبه مصلح إلى المخاطر الصحية لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، التي قد تسبب أمراضًا جلدية وتنفسية، فضلًا عن تراكم المعادن الثقيلة في أجسام الأسماك وانتقالها عبر السلسلة الغذائية إلى الإنسان، ما يشكّل تهديدًا طويل الأمد للصحة العامة والأمن الغذائي.
من زاوية قانونية، يرى المحامي يحيى محارب أن ما لحق بالبنية التحتية للموانئ البحرية في غزة لا يمكن التعامل معه بوصفه أضرارًا جانبية للحرب، بل يرقى إلى انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني. فبحسب تقديراته، تعرّضت الموانئ ومرافقها الأساسية لتدمير واسع، شمل تضرّر نحو 70% من المرافق المتبقية في المحافظات الوسطى وخان يونس جنوب القطاع، ما أصاب أحد القطاعات الحيوية التي يعتمد عليها آلاف المدنيين في معيشتهم.
ويوضح محارب أن القانون الدولي لا يكتفي بحماية المدنيين بشكل مباشر، بل يمتدّ ليشمل الأعيان المدنية التي لا غنى عنها لبقائهم، وفي مقدمتها مصادر الغذاء وسبل كسب الرزق. وفي هذا السياق، تجرّم المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف استهداف أو تدمير الأعيان الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة، فيما تحظر المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تدمير الممتلكات المدنية، سواء بشكل كلي أو جزئي، إلا لضرورة عسكرية قاهرة.
وبحسب محارب، فإنّ تدمير الموانئ البحرية وأدوات الصيد لا يمسّ منشآت مادية فحسب، بل يطال منظومة اقتصادية ومعيشية كاملة، ويقوّض حق الصيادين في العمل والغذاء، ما يجعل الضرر الواقع على القطاع البحري جزءًا من انتهاك أوسع يطال الأمن الغذائي وسبل العيش للسكان المدنيين.
في غزة، لم يعد الخطر الذي يواجه الصيادين مقتصرًا على الاستهداف من الزوارق الإسرائيلية، بل بات كامنًا في البحر نفسه، بعد أن حوّله التلوّث المتصاعد، والمتقاطع مع تغيّر المناخ، إلى بيئة تهدد الحياة والصحة معًا، وتقف عائقًا أمام صيد الأسماك التي نفقت أو غيّرت مواطنها.



التعليقات