على شاطئ السودانية، شمال قطاع غزة، كان الجد علي أبو غالي (71 عامًا) يجد لنفسه موعدًا ثابتًا مع الحياة. ليس موعدًا مع أحد بعينه، بل مع طقسٍ يعرفه جيدًا، ويطمئن إليه: كرسيه المعتاد في مقهى صغير مطلّ على البحر، يصل إليه قبيل العصر، ويغادره بعد صلاة العشاء، وكأنّ الزمن هناك يسير بإيقاعٍ أبطأ، وأكثر خفة.
منذ تقاعده من جهاز الشرطة قبل نحو خمسة عشر عامًا، صار المقهى امتدادًا ليومه، والبحر شاهدًا صامتًا على ما تبقّى من العمر.
هناك، كان الحديث لا ينتهي مع صديقه أبو خليل: عن الأبناء، وتقلّبات الحياة، وما مضى من سنواتٍ لم تكن خفيفة، لكنّها كانت مفهومة، قابلة للشرح، ومشاركةً مع آخرين يعرفون التفاصيل دون الحاجة إلى شرحٍ طويل.
كل صباح عند السادسة، كان أبو غالي يخرج للمشي بمحاذاة البحر، كأنّه يفرّ من واقعٍ ثقيل إلى أفقٍ أوسع. يقول: "كان المشي يخلّصني من التفكير"، قبل أن تفرض الحرب تفكيرًا لا مهرب منه.
لم يعد أبو خليل إلى جلسته، ولم يعد أبو غالي إلى شاطئه. دُمّر منزله في معسكر جباليا شمال القطاع بالكامل، فوجد نفسه نازحًا في مخيم البريج وسط القطاع، يُقيم عند ابنته.
يقضي معظم وقته ممسكًا بالهاتف، يُقلِّب الصفحات بلا هدف، كأنّ الشاشة صارت بديلًا باردًا عن وجوهٍ كانت تُنصت. يحكي لزوجته عن الحياة وتجاربها، عن أبنائه الذين تزوجوا جميعًا، ولم يبقَ عنده سوى اثنين، وعن شعورٍ غامض بأنّ اليوم أطول مما يحتمل، إذ أنّ خسارته لم تكن بيتًا فقط، بل نمط حياة كامل، وتوازنًا هشًّا كان يحميه من العزلة.
لا يقف علي أبو غالي عند حدود تجربة فردية؛ فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يشكّل كبار السن نحو 6% من سكان فلسطين، أكثر من ثلثهم (108 ألف) في قطاع غزة. هؤلاء لم يفقدوا بيوتهم فقط، بل خسروا أيضًا المساحات التي كانت تحفظ ذاكرتهم الجماعية؛ إذ يحملون خزانًا كاملًا من الحكايات التي كانت تجد مكانها في المقاهي، قبل أن تُدفَع اليوم إلى الصمت.
على بُعد مسافة، في حيّ الشجاعية شرق غزة، كان ناهض حرارة (75 عامًا) يصنع يومه بيديه. من الخامسة صباحًا حتى الواحدة ظهرًا، يقف في مطعمه الصغير للمأكولات الشعبية، حيث جلسة ثابتة لأصدقائه: ساعتان من الشاي، والحديث، والضحك، ثم يعود مساءً ليفتح المحل مجددًا، يساعده ابنه في قلي الفلافل، ويتناول العشاء مع رفاقه حتى الحادية عشرة ليلًا.
كانت الجلسة فرصة للفضفضة واستعادة أيام الشباب، قبل أن "يغيّر الزمن كل شيء"، على حدِّ وصفه. يردف: "كنا نختلف، نضحك، نغضب، ونصالح بعضنا في اليوم نفسه"، وكأنّ المقهى كان مساحة لتفريغ الحياة لا للهروب منها.
لكن منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، تغيّر كل شيء فعلًا. الجد حرارة اليوم نازح في خيمة بدير البلح وسط القطاع، حبيس مساحة ضيقة، بعد استشهاد عدد من أصدقائه وتكرار النزوح.
لا أحد يستمع لأحاديثه. حتى ضحكته لم تعد، ولا قصصه التي كانت تجد آذانًا صاغية. ما زال يوميًا يُعدّ كأس الشاي على النار كما اعتاد، لكنّه اليوم طقسًا بلا جمهور وبلا مذاق.
أما ابناه اللذان بقيا معه، فقد أنهكتهما الحياة والعمل؛ يعودان وينامان سريعًا. "هيك كل يوم"، يقولها وكأنها حقيقة لا تحتاج شرحًا، ثم يتذكر كيف كانت حياته شرق الشجاعية، في منطقة زراعية مفتوحة، بوجوه مألوفة لم يبقَ منها اليوم سوى صور على شاشة هاتف.
المفارقة أنّ هذا الهاتف، الذي صار ملاذًا باردًا، لم يكن غريبًا عن جيلهم؛ إذ تشير بيانات سابقة إلى أن امتلاك الهواتف المحمولة كان مرتفعًا نسبيًا بين كبار السن قبل الحرب بنسبة 77-79%. لكن ما تغيّر ليس الأداة، بل غياب من كان في الجهة الأخرى من الشاشة.
أما وفيق الشرقاوي (65 عامًا)، فيقيم اليوم في جزءٍ من بيتٍ مهدّم بحيّ الرمال وسط مدينة غزة، يحمل ذاكرة ثقيلة من الأصدقاء والسنين. يقول: "كنا نحكي عن أجدادنا، عن أيامنا الحلوة، عن ذكريات المدرسة وأولاد الجيران".
فقَدَ ثمانية من أصدقائه المقرّبين؛ بعضهم استشهد، وبعضهم غادر. كان لديهم محل لبيع الأجهزة الكهربائية، يتجمعون فيه يوميًا، وكل خميس يتناولون العشاء معًا ليصنعوا فسحة صغيرة لأنفسهم. منذ أكثر من عشرين عامًا كانوا يلتقون على البحر، يتجادلون حول كل شيء تقريبًا، يتفقون أحيانًا، ويختلفون أحيانًا أُخر، ثم يعودون أصدقاء كما كانوا.
اليوم، لا يشبه شيء ما كان. يحاول وفيق أن يمشي كثيرًا، بعدما تنقل بين عدّة محافظات من خان يونس إلى رفح جنوبًا، ومن خان يونس إلى دير البلح وسط القطاع أثناء فترة نزوحه. يقول: "المشي يغيّر الجو"، وكأنّه يبحث في الحركة عن بديلٍ للرفقة.
لم يحاول كثيرًا التعرف إلى أناس جدد في مخيمات النزوح التي استحدثها واقع الحرب والدمار؛ فالرغبة كلّها معلّقة بالعودة إلى حياةٍ "كانت"، حياة لا تحتاج إلى تعارف جديد، لأن الجميع كان يعرف بعضه بعضًا.
تشير بيانات مسح الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2021 إلى أنّ نحو 60% من كبار السن كانوا يقضون ما معدله 14 ساعة ونصف يوميًا في أنشطة العناية الشخصية، ونحو أربع ساعات في التفاعل الاجتماعي والمشاركة المجتمعية، إضافة إلى قرابة ساعة واحدة في تقديم خدمات للمجتمع المحلي والعمل التطوعي.
كانت هذه الساعات تشكّل إيقاع يومهم، وتحفظ لهم توازنًا نفسيًا واجتماعيًا، وتؤكد حضورهم كجزء فاعل في النسيج المجتمعي.
لكن مع اندلاع النزاع، لم تعد تلك الساعات ملكًا لهم، بل تحوّلت إلى وقتٍ معلّق على حافة الانتظار. تقلّصت مساحات التآنس، وتلاشت المشاركة المجتمعية، وحلّ الصمت الثقيل مكان الأحاديث اليومية، فيما صارت الشيخوخة نفسها عبئًا إضافيًا في حياةٍ مثقلة أصلًا بالخسارة.
لا تتوقّف خسارة كبار السن عند تقلّص المساحات الاجتماعية فقط. قبل الحرب، كانت الغالبية العظمى منهم بنسبة 76% تعيش أصلًا مع أمراض مزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، وفق بيانات محلية، ما جعلهم أكثر هشاشة أمام النزوح، والتوتر، والانقطاع الطويل عن الروتين الذي كان يضبط أجسادهم كما يضبط أيامهم.
في قراءةٍ أوسع لهذه الحكايات، يوضح المختص الاجتماعي، عرفات حلس، أن كبار السن يمتلكون وضعًا اجتماعيًا ونفسيًا خاصًا. يقول: "حين يتراجع الدور الإنتاجي مع التقدّم في العمر، ينتظر الإنسان تعويضًا معنويًا: احتواء، احترام، إصغاء؛ لكن الحروب تقطع هذا الخيط الرفيع".
ويزداد هذا الانقطاع حدّة إذا ما وُضع في سياقه الأوسع؛ إذ تُظهر بيانات الإحصاء أن نسبة مشاركة كبار السن في سوق العمل كانت منخفضة أصلًا، بنسبة 5% في قطاع غزة، إلى جانب فجوات تعليمية، خصوصًا بين النساء والرجال؛ ما جعل المساحات غير الرسمية، كالمقاهي، باعتبارها أحد آخر أشكال الاعتراف الاجتماعي بدورهم.
ويشير حلس إلى أنّ وعي كبار السن وخبرتهم الطويلة في الحياة يجعلهم أكثر قدرة على قراءة مآلات الأزمات، ما يضاعف تأثيرها النفسي عليهم مقارنة بالأطفال والشباب. يضيف: "العزلة الطويلة لا تبقى في إطار النفس فقط، بل تظهر على الجسد: القلب، والدماغ، والعضلات، والجهاز الهضمي".
قبل الحرب، شكّلت المقاهي مساحة بديلة وحيوية لكبار السن في قطاع غزة. لم تكن مجرّد تسلية، بل شبكة دعم نفسي واجتماعي، وأرشيفًا شفهيًا للحكايات والذكريات. وهناك، وجد كثيرون فرصة للقاء رفاق العمل القدامى، ولعبة الطاولة، وشرب القهوة والشاي، واستعادة توازنٍ افتقدوه داخل البيوت.
يتابع حلس: "المقهى أعاد التوازن النفسي والاجتماعي لكثير من المسنين، وحين اختفى، اختفى معه شعورهم بأن لهم مكانًا في هذا العالم". فاليوم، ومع غياب المقاهي وتشتّت الأصدقاء، تتعمّق عزلة كبار السن. وحين يشعر المسن بعدم التقدير، ينسحب بصمت، لأن المسألة بالنسبة له قضية كرامة قبل أي شيء.
في غزة، حيث الحرب لا تدمّر البيوت فقط، بل العلاقات اليومية الصغيرة، تبدو عزلة كبار السن جرحًا صامتًا. جرحًا لا يُقاس بعدد الخيام، بل بعدد الكراسي الفارغة على شاطئ البحر، وبأكواب الشاي التي تبرد، دون أن تمتد إليها يدٌ أخرى.


