صيانة الخيام: مهمة شتوية يومية في غزة

صيانة الخيام: مهمة شتوية يومية في غزة

مع شروق كل شمس مؤقتة في سماء غزة الشتوية، تبدأ المهمة اليومية لنازحي القطاع: صيانة الخيام. إنها ليست مهمة استثنائية، بل روتين شتوي مرهق يستهلك الوقت والجهد والموارد المحدودة، في معركة خاسرة مسبقاً ضد الطقس وعناصر الطبيعة.
 

يقف جميل وادي (55 عامًا) عند الفجر، يتفحص أضرار الليلة الماضية. رياح خفيفة كانت كافية لتمزيق جزء من "الشادر" البلاستيكي الذي يغطي خيمته في مخيم "الديوان". يقول وهو يبدأ بإخراج أدواته البدائية: "أصبحت صيانة الخيمة عملي اليومي. كأنها وظيفة ثانية بلا أجر، بل بإنفاق من جيبي".
 

 في جميع مخيمات النزوح المنتشرة عبر قطاع غزة، يتكرر المشهد ذاته: رجال ونساء وأطفال يجمعون الأحجار الثقيلة لتثبيت أطراف الخيام، يربطون الحبال المبتلة، ويقومون بترقيع الفتحات الجديدة بقطع بلاستيكية مستعملة أو بقطع صفيح بال. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، تحتاج أكثر من 90% من الخيام في المخيمات إلى إصلاحات يومية أو أسبوعية نتيجة التلف المستمر.

أم ياسر (47 عامًا) تشرح وهي تحاول تنشيف فرش الخيمة المبتلة: "كل يوم نفس العمل. في الصباح ننشف ما ابتل ليلاً، ونصلح ما تمزق، ونستعد للمطر القادم. هذه حياتنا الآن". 
 

يقضي النازحون جزءًا كبيرًا من مواردهم المالية الشحيحة على مواد الصيانة. يقول فلاح رضا (42 عامًا) من مخيم قرب شاطئ البحر: "اشتريت هذا الأسبوع ثلاثة أمتار من البلاستيك السميك، وحبلين، ومسامير. كلفني هذا أكثر من ربع مساعدتي الشهرية". 
 

وتشير تقارير منظمات اغاثية إلى أن الأسعار ارتفعت بنسبة تصل إلى 300% لمواد مثل الأشرطة البلاستيكية والأخشاب والأغطية المقاومة للماء. 

في زاوية من مخيم مقام على الطريق الساحلي المؤدي إلى ميناء غزة، يجمع مجموعة من الشباب أدوات الصيانة المتوفرة: "لدينا مطرقة واحدة، ومنشار معطل، وسكينان. نتبادلها بين عشر عائلات"، يقول أحدهم. ثم يضيف "كل الإصلاح هي مؤقتة، لأننا نعلم أن المنخفض القادم سيدمر كل ما أصلحناه". وهذا الإحساس بعدم الجدوى يثقل كاهل النازحين نفسياً وجسدياً.

بيد أنّ أم  ياسر تقول: “أحيانًا أسأل نفسي: لماذا أُصلح؟ ولماذا أُنشف؟ لكن لا خيار لنا؛ فهذه الخيمة هي كل ما نملك. واقع فُرض علينا قسرًا، ونكابد عناءه يومًا بعد يوم”.

الأطفال أيضًا في غزة، هم جزء من دائرة الصيانة اليومية. يلعبون دورًا في جمع الأحجار للتثبيت، وجمع المياه المتسربة أو نزحها، ومراقبة الخيام أثناء العواصف. المعايشة الميدانية تظهر حجم الأسى النفسي والبدني الذي يتعرض له الأطفال في القطاع منذ أكثر من عامين، وتحذر تقارير اليونيسف من تأثير هذه المهام على الصحة النفسية والتعليمية للأطفال، حيث يتغيب الكثيرون عن الدروس للمساعدة في صيانة المأوى، أو تلبية الاحتياجات اليومية للأسر من مساعدة في اشعال مواقد الطعام إلى جمع المياه المحلاة، وغيرها من مهام شاقة.

وفي الواقع، طوّر النازحون الغزيون أنظمة تناوب للتغلب على نقص الأدوات والخبرات. يوضح رضا: “نتناوب على استخدام الأدوات، ونساعد بعضنا في الصيانة، ونتشارك النصائح حول أفضل طرق تثبيت الخيام، وأحيانا نتبادل الأدوار داخل الخيمة مع النساء، فلابد من أن يسهر أحدنا حتى ينام الأخر، قبل أن يبدأ  التسريب ويغرق الخيام ونحن نيام”.
 

وفي ظلّ انعدام سبل الحماية والرعاية الرسمية، تشكلت في بعض المخيمات، مجموعات مساعدة ذاتية، حيث يخصص أصحاب الخبرة أو القوة الجسدية وقتاً لمساعدة الأرامل وكبار السن والعائلات التي ليس لديها معيل.

مع كل صباح، يزداد اليأس مع ازدياد التلف، لاسيما أن "الكرفانات" (أي البيوت المتنقلة) باتت حلماً بعيداً، والمواد اللازمة لبناء ملاجئ أكثر متانة ممنوعة بأمر من الاحتلال، أو غير متوفرة.

"نصلح اليوم لنعيش الليلة، ونستيقظ غداً لنبدأ من جديد"، تلخص أم ياسر الواقع. "هذه ليست حياة، إنها مجرد محاولة للبقاء والاستمرار فقط". 

ما تقوله أم ياسر يعكس حقيقة أن صيانة الخيام لم تعد مجرد إصلاح لمأوى، بل أصبحت صيانة للوجود نفسه، فكل غرزة في القماش والنيلون الممزق، وكل حجر يثبت الخيمة وكل وتد يدق، هو محاولة يائسة للحفاظ على آخر حدود الكرامة الإنسانية: سقف، ولو من بلاستيك، فوق الرأس.

ومع انتهاء يوم الصيانة، يستعد الجميع لليلتهم التالية تحت الخيام المرممة، معلقين آمالهم على أن تبقى السماء صافية، وأن تتحمل خيامهم - وهم - ليلة أخرى.